والقول الثاني: أن الضمير عائد إلى إبراهيم عليه السلام ، والتقدير: ومن ذرية إبراهيم داود وسليمان . واحتج القائلون بهذا القول: بأن إبراهيم هو المقصود بالذكر في هذه الآيات وإنما ذكر الله تعالى نوحًا لأن كون إبراهيم عليه السلام من أولاده أحد موجبات رفعة إبراهيم .
واعلم أنه تعالى ذكر أولًا أربعة من الأنبياء ، وهم: نوح ، وإبراهيم ، وإسحق ، ويعقوب . ثم ذكر من ذريتهم أربعة عشر من الأنبياء: داود ، وسليمان ، وأيوب ، ويوسف ، وموسى ، وهرون ، وزكريا ، ويحيى ، وعيسى ، وإلياس ، وإسمعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوطًا ، والمجموع ثمانية عشر .
فإن قيل: رعاية الترتيب واجبة ، والترتيب إما أن يعتبر بحسب الفضل والدرجة وإما أن يعتبر بحسب الزمان والمدة ، والترتيب بحسب هذين النوعين غير معتبر في هذه الآية فما السبب فيه؟
قلنا: الحق أن حرف الواو لا يوجب الترتيب ، وأحد الدلائل على صحة هذا المطلوب هذه الآية فإن حرف الواو حاصل ههنا مع أنه لا يفيد الترتيب ألبتة ، لا بحسب الشرف ولا بحسب الزمان وأقول عندي فيه وجه من وجوه الترتيب ، وذلك لأنه تعالى خص كل طائفة من طوائف الأنبياء بنوع من الإكرام والفضل .
فمن المراتب المعتبرة عند جمهور الخلق: الملك والسلطان والقدرة ، والله تعالى قد أعطى داود وسليمان من هذا الباب نصيبًا عظيمًا .
والمرتبة الثانية: البلاء الشديد والمحنة العظيمة ، وقد خص الله أيوب بهذه المرتبة والخاصية .
والمرتبة الثالثة: من كان مستجمعًا لهاتين الحالتين ، وهو يوسف عليه السلام ، فإنه نال البلاء الشديد الكثير في أول الأمر ، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر .
والمرتبة الرابعة: من فضائل الأنبياء عليهم السلام وخواصهم قوة المعجزات وكثرة البراهين والمهابة العظيمة والصولة الشديدة وتخصيص الله تعالى إياهم بالتقريب العظيم والتكريم التام ، وذلك كان في حق موسى وهرون .
والمرتبة الخامسة: الزهد الشديد والإعراض عن الدنيا ، وترك مخالطة الخلق ، وذلك كما في حق زكريا ويحيى وعيسى وإلياس ، ولهذا السبب وصفهم الله بأنهم من الصالحين .
والمرتبة السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم فيما بين الخلق أتباع وأشياع ، وهم إسماعيل ، واليسع ، ويونس ، ولوط . فإذا اعتبرنا هذا الوجه الذي راعيناه ظهر أن الترتيب حاصل في ذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام بحسب هذا الوجه الذي شرحناه .
المسألة الثانية: قال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا } اختلفوا في أنه تعالى إلى ماذا هداهم؟ وكذا الكلام في قوله: { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } وكذا قوله في آخر الآية: { ذلك هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } .