فهرس الكتاب

الصفحة 7248 من 8321

قوله تعالى: { ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وءاتيناه الإنجيل } .

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: معنى قفاه أتبعه بعد أن مضى ، والمراد أنه تعالى أرسل بعضهم بعد بعض إلى أن انتهى إلى أيام عيسى عليه السلام فأرسله الله تعالى بعدهم وآتاه الإنجيل .

المسألة الثانية: قال ابن جني قرأ الحسن: { وآتيناه الأنجيل } بفتح الهمزة ، ثم قال: هذا مثال لا نظير له ، لأن أفعيل وهو عندهم من نجلت الشيء إذا استخرجته ، لأنه يستخرج به الأحكام ، والتوراة فوعلة من ورى الزند يرى إذا أخرج النار ، ومثله الفرقان وهو فعلان من فرقت بين الشيئين ، فعلى هذا لا يجوز فتح الهمزة لأنه لا نظير له ، وغالب الظن أنه ما قرأه إلا عن سماع وله وجهان أحدهما: أنه شاذ كما حكى بعضهم في البرطيل وثانيهما: أنه ظن الإنجيل أعجميًا فحرف مثاله تنبيهًا على كونه أعجميًا .

قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن فعل العبد خلق لله تعالى وكسب للعبد ، قالوا: لأنه تعالى حكم بأن هذه الأشياء مجعولة لله تعالى ، وحكم بأنهم ابتدعوا تلك الرهبانية ، قال القاضي: المراد بذلك أنه تعالى لطف بهم حتى قويت دواعيهم إلى الرهبانية ، التي هي تحمل الكلفة الزائدة على ما يجب من الخلوة واللباس الخشن والجواب: أن هذا ترك للظاهر من غير دليل ، على أنا وإن سلمنا ذلك فهو يحصل مقصودنا أيضًا ، وذلك لأن حال الاستواء يمتنع حصول الرجحان وإلا فقد حصل الرجحان عند الاستواء والجمع بينهما متناقض ، وإذا كان الحصول عند الاستواء ممتنعًا ، كان عند المرجوحية أولى أن يصير ممتنعًا ، وإذا امتنع المرجوح وجب الراجح ضرورة أنه لا خروج عن طرفي النقيض .

المسألة الثانية: قال مقاتل: المراد من الرأفة والرحمة هو أنهم كانوا متوادين بعضهم مع بعض ، كما وصف الله أصحاب محمد E بذلك في قوله: { رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } [ الفتح: 29 ] .

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: قرىء ( رآفة ) على فعالة .

المسألة الرابعة: الرهبانية معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان وهو الخائف فعلان من رهب ، كخشيان من خشي ، وقرىء: ( ورهبانية ) بالضم كأنها نسبة إلى الرهبان ، وهو جمع راهب كراكب وركبان ، والمراد من الرهبانية ترهبهم في الجبال فارين من الفتنة في الدين ، مخلصين أنفسهم للعبادة ومتحملين كلفًا زائدة على العبادات التي كانت واجبة عليهم من الخلوة واللباس الخشن ، والاعتزال عن النساء والتعبد في الغيران والكهوف ، عن ابن عباس أن في أيام الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام غير الملوك التوراة والإنجيل ، فساح قوم في الأرض ولبسوا الصوف ، وروى ابن مسعود أنه عليه السلام ، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت