اعلم أن قوله تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بئاياته } يرجع إلى قوله { والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها } [ الأعراف: 36 ] وقوله: { فَمَنْ أَظْلَمُ } أي فمن أعظم ظلمًا ممن يقول على الله مالم يقله أو كذب ما قاله . والأول: هو الحكم بوجود ما لم يوجد . والثاني: هو الحكم بإنكار ما وجد والأول دخل فيه قول من أثبت الشريك لله سواء كان ذلك الشريك عبارة عن الأصنام أو عن الكواكب أو عن مذهب القائلين بيزدان وأهرمن . ويدخل فيه قول من أثبت البنات والبنين لله تعالى ، ويدخل فيه قول من أضاف الأحكام الباطلة إلى الله تعالى . والثاني: يدخل فيه قول من أنكر كون القرآن كتابًا نازلًا من عند الله تعالى وقول من أنكر نبوة محمد A .
ثم قال تعالى: { أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } واختلفوا في المراد بذلك النصيب على قولين: أحدهما: أن المراد منه العذاب ، والمعنى ينالهم ذلك العذاب المعين الذي جعله نصيبًا لهم في الكتاب ، ثم اختلفوا في ذلك العذاب المعين . فقال بعضهم هو سواد الوجه وزرقة العين ، والدليل عليه قوله تعالى: { وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } [ الزمر: 60 ] وقال الزجاج: هو المذكور في قوله تعالى: { فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى } [ الليل: 14 ] وفي قوله: { يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا } [ الجن: 17 ] وفي قوله: { إِذِ الأغلال فِى أعناقهم والسلاسل } [ غافر: 71 ] فهذه الأشياء هي نصيبهم من الكتاب على قدر ذنوبهم في كفرهم .
والقول الثاني: أن المراد من هذا النصيب شيء سوى العذاب ، واختلفوا فيه فقيل: هم اليهود والنصارى يجب لهم علينا إذا كانوا أهل ذمة لنا أن لا تتعدى عليهم وأن ننصفهم وأن نذب عنهم فذلك هو معنى النصيب من الكتاب وقال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير: أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب أي ما سبق لهم في حكم الله وفي مشيئته من الشقاوة والسعادة ، فإن قضى الله لهم بالختم على الشقاوة ، أبقاهم على كفرهم ، وإن قضى لهم بالختم على السعادة نقلهم إلى الإيمان والتوحيد ، وقال الربيع وابن زيد يعني: ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار ، فإذا فنيت وانقرضت وفرغوا منها { جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } واعلم أن هذا الاختلاف إنما حصل ، لأنه تعالى قال: { أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } ولفظ «النصيب» مجمل محتمل لكل الوجوه المذكورة وقال بعض المحققين: حمله على العمر والرزق أولى ، لأنه تعالى بين أنهم وإن بلغوا في الكفر ذلك المبلغ العظيم ، إلا أن ذلك ليس بمانع من أن ينالهم ما كتب لهم من رزق وعمر تفضلًا من الله تعالى ، لكي يصلحوا ويتوبوا ، وأيضًا فقوله: { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يدل على أن مجيء الرسل للتوفي ، كالغاية لحصول ذلك النصيب ، فوجب أن يكون حصول ذلك النصيب متقدمًا على حصول الوفاة ، والمتقدم على حصول الوفاة ، ليس إلا العمر والرزق .