فهرس الكتاب

الصفحة 2019 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: في المنادي قولان: أحدهما: أنه محمد E وهو قول الأكثرين ، والدليل عليه قوله تعالى: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ } [ النحل: 125 ] { وَدَاعِيًا إِلَى الله بِإِذْنِهِ } [ الأحزاب: 46 ] { أَدْعُو إلى الله } [ يوسف: 108 ] والثاني: أنه هو القرآن ، قالوا إنه تعالى حكى عن مؤمني الانس ذلك كما حكى عن مؤمني الجن قوله: { إنَّا سمعنا قرآنًا عجبًا يَهْدِى إِلَى الرشد فَئَامَنَّا بِهِ } [ الجن: 1 ، 2 ] قالوا: والدليل على أن تفسير الآية بهذا الوجه أولى لأنه ليس كل أحد لقي النبي A ، أما القرآن فكل أحد سمعه وفهمه ، قالوا: وهذا وان كان مجازا إلا أنه مجاز متعارف ، لأن القرآن لما كان مشتملا على الرشد ، وكان كل من تأمله وصل به إلى الهدى إذا وفقه الله تعالى لذلك ، فصار كأنه يدعو الى نفسه وينادي بما فيه من أنواع الدلائل ، كما قيل في جهنم: { تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وتولى } [ المعارج: 17 ] إذ كان مصيرهم اليها ، والفصحاء والشعراء يصفون الدهر بأنه ينادي ويعظ ، ومرادهم منها دلالة تصاريف الزمان ، قال الشاعر:

يا واضع الميت في قبره ... خاطبك الدهر فلم تسمع

المسألة الثانية: في قوله: { يُنَادِى للإيمان } وجوه: الأول: ان اللام بمعنى «إلى» كقوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [ المجادلة: 8 ] { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } [ المجادلة: 3 ] { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } [ الزلزلة: 5 ] { الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } [ الأعراف: 43 ] ويقال: دعاه لكذا والى كذا ، وندبه له واليه ، وناداه له وإليه ، وهداه للطريق واليه ، والسبب في إقامة كل واحدة من هاتين اللفظتين مقام الأخرى: أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص حاصلان جميعا . الثاني: قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي بأن آمنوا ، كما يقال: جاءنا منادي الأمير ينادي بكذا وكذا . والثالث: أن هذه اللام لام الأجل والمعنى: سمعنا مناديا كان نداؤه ليؤمن الناس ، أي كان المنادي ينادي لهذا الغرض ، ألا تراه قال: { أن آمنوا بربكم } أي لتؤمن الناس ، وهو كقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } [ النساء: 64 ] .

المسألة الثالثة: قوله: { سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِى } نظيره قولك: سمعت رجلا يقول كذا ، وسمعت زيدا يتكلم ، فيوقع الفعل على الرجل ويحذف المسموع ، لأنك وصفته بما يسمع وجعلته حالا عنه فأغناك عن ذكره ، ولأن الوصف أو الحال لم يكن بد منه ، وأنه يقال: سمعت كلام فلان أو قوله .

المسألة الرابعة: ههنا سؤال وهو أن يقال: ما الفائدة في الجمع بين المنادي وينادي؟

وجوابه: ذكر النداء مطلقا ثم مقيدا بالايمان تفخيما لشأن المنادي ، لأنه لا منادي أعظم من مناد ينادي للإيمان ، ونظيره قولك: مررت بهاد يهدي للاسلام ، وذلك لأن المنادي اذا أطلق ذهب الوهم الى مناد للحرب ، أو لاطفاء النائرة ، أو لاغاثة المكروب ، أو الكفاية لبعض النوازل ، وكذلك الهادي ، وقد يطلق على من يهدي للطريق ، ويهدي لسداد الرأي ، فاذا قلت ينادي للايمان ويهدي للاسلام فقد رفعت من شأن المنادي والهادي وفخمته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت