فهرس الكتاب

الصفحة 6733 من 8321

وهو جواب لكلام مقدر ، كأن الكافر حينما يلقى في النار يقول: ربنا أطغاني شيطاني ، فيقول الشيطان: ربنا ما أطغيته ، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا { قَالَ لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } [ ق: 28 ] لأن الاختصام يستدعي كلامًا من الجانبين وحينئذ هذا ، كما قال الله تعالى في هذه السورة وفي ص { قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَبًا بِكُمْ } [ ص: 60 ] وقوله تعالى: { قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ } إلى أن قال: { إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار } [ ص: 61 ، 64 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال الزمخشري: المراد بالقرين في الآية المتقدمة هو الشيطان لا الملك الذي هو شهيد وقعيد ، واستدل عليه بهذا . وقال غيره ، المراد الملك لا الشيطان ، وهذا يصلح دليلًا لمن قال ذلك ، وبيانه هو أنه في الأول لو كان المراد الشيطان ، فيكون قوله { هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } [ ق: 23 ] معناه هذا الشخص عندي عتيد متعد للنار اعتدته بإغوائي ، فإن الزمخشري صرّح في تفسير تلك بهذه ، وعلى هذا فيكون قوله { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناقضًا لقوله اعتدته وللزمخشري أن يقول الجواب: عنه من وجهين أحدهما: أن يقول إن الشيطان يقول اعتدته بمعنى زينت له الأمر وما ألجأته فيصح القولان من الشيطان وثانيهما: أن تكون الإشارة إلى حالين: ففي الحالة الأولى إنما فعلت به ذلك إظهارًا للانتقام من بني آدم ، وتصحيحًا لما قال: { فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص: 82 ] ثم إذا رأى العذاب وأنه معه مشترك وله على الإغواء عذاب ، كما قال تعالى: { فالحق والحق أَقُولُ * لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ } [ ص: 84 ، 85 ] فيقول { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } فيرجع عن مقالته عند ظهور العذاب .

المسألة الثانية: قال ههنا { قَالَ قرِينُهُ } من غير واو ، وقال في الآية الأولى { وَقَالَ قَرِينُهُ } [ ق: 23 ] بالواو العاطفة ، وذلك لأن في الأول الإشارة وقعت إلى معنيين مجتمعين ، وأن كل نفس في ذلك الوقت تجيء ومعها سائق ، ويقول الشهيد ذلك القول ، وفي الثاني لم يوجد هناك معنيان مجتمعان حتى يذكر بالواو ، والفاء في قوله { فألقياه فِى العذاب } [ ق: 26 ] لا يناسب قوله تعالى: { قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } مناسبة مقتضية للعطف بالواو .

المسألة الثالثة: القائل ههنا واحد ، وقال { رَبَّنَا } ولم يقل رب ، وفي كثير من المواضع مع كون القائل واحدًا ، قال رب ، كما في قوله { قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } [ الأعراف: 143 ] وقول نوح { رَبّ اغفر لِى } [ نوح: 28 ] وقوله تعالى: { قَالَ رَبّ السجن أَحَبُّ إِلَىَّ } [ يوسف: 33 ] وقوله { قَالَتْ رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى الجنة } [ التحريم: 11 ] إلى غير ذلك ، وقوله تعالى: { قَالَ رَبّ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [ ص: 79 ] نقول في جميع تلك المواضع القائل طالب ، ولا يحسن أن يقول الطالب: يا رب عمرني واخصصني وأعطني كذا ، وإنما يقول: أعطنا لأن كونه ربًا لا يناسب تخصيص الطالب ، وأما هذا الموضع فموضع الهيبة والعظمة وعرض الحال دون الطلب فقال: { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت