وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى قوم فرعون ، طلب موسى عليه السلام أن يبعث معه هرون إليهم ، ثم ذكر الأمور الداعية له إلى ذلك السؤال وحاصلها أنه لو لم يكن هرون ، لاختلت المصلحة المطلوبة من بعثة موسى عليه السلام ، وذلك من وجهين: الأول: أن فرعون ربما كذبه ، والتكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب لتعسر الكلام على من يكون في لسانه حبسة ، لأن عند ضيق القلب تنقبض الروح والحرارة الغريزية إلى باطن القلب ، وإذا انقبضا إلى الداخل وخلا منهما الخارج ازدادت الحبسة في اللسان ، فالتأذي من التكذيب سبب لضيق القلب ، وضيق القلب سبب للحبسة ، فلهذا السبب بدأ بخوف التكذيب ، ثم ثنى بضيق الصدر ، ثم ثلث بعدم انطلاق اللسان . وأما هرون فهو أفصح لسانًا مني وليس في حقه هذا المعنى ، فكان إرساله لائقًا الثاني: أن لهم عندي ذنبًا فأخاف أن يبادروا إلى قتلي ، وحينئذ لا يحصل المقصود من البعثة . وأما هرون فليس كذلك فيحصل المقصود من البعثة .
المسألة الثانية: قرىء ( يضيق ) و ( ينطلق ) بالرفع ، لأنهما معطوفان على خبر ( أن ) ، وبالنصب لعطفهما على صلة أن ، والمعنى: أخاف أن يكذبون ، وأخاف أن يضيق صدري ، وأخاف أن لا ينطلق لساني ، والفرق أن الرفع يفيد ثلاث علل في طلب إرسال هرون ، والنصب يفيد علة واحدة ، وهي الخوف من هذه الأمور الثلاثة ، فإن قلت: الخوف غم يحصل لتوقع مكروه سيقع وعدم انطلاق اللسان كان حاصلًا ، فكيف جاز تعلق الخوف به؟ قلت: قد بينا أن التكذيب الذي سيقع يوجب ضيق القلب ، وضيق القلب يوجب زيادة الاحتباس ، فتلك الزيادة ما كانت حاصلة في الحال بل كانت متوقعة ، فجاز تعليق الخوف عليها .
أما قوله تعالى: { فَأَرْسِلْ إلى هارون } فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه ، وفي الخبر أن الله تعالى أرسل موسى عليه السلام إليه ، قال السدي: إن موسى عليه السلام سار بأهله إلى مصر والتقى بهرون وهو لا يعرفه ، فقال أنا موسى ، فتعارفا وأمره أن ينطلق معه إلى فرعون لأداء الرسالة ، فصاحت أمهما لخوفهما عليهما فذهبا إليه ، ويحتمل أن يكون المراد أرسل إليه جبريل ، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام ، فلما كان هو متعينًا لهذا الأمر حذف ذكره لكونه معلومًا ، وأيضًا ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا ، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل ، كما يقال إذا نابتك نائبة ، فأرسل إلى فلان أي ليعينك فيها وليس في الظاهر أنه التمس كون هرون نبيًا معه ، لكن قوله: { فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } يدل عليه .