قوله تعالى: { إِنَّا هديناه السبيل } أخبر الله تعالى أنه بعد أن ركبه وأعطاه الحواس الظاهرة والباطنة بين له سبيل الهدى والضلال ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الآية دالة على أن إعطاء الحواس كالمقدم على إعطاء العقل والأمر كذلك لأن الإنسان خلق في مبدأ الفطرة خاليًا عن معرفة الأشياء ، إلا أنه أعطاه آلات تعينه على تحصيل تلك المعارف ، وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، فإذا أحس بالمحسوسات تنبه لمشاركات بينها ومباينات ، ينتزع منها عقائد صادقة أولية ، كعلمنا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان وأن الكل أعظم من الجزء ، وهذه العلوم الأولية هي آلة العقل لأن بتركيباتها يمكن التوصل إلى استعلام المجهولات النظرية ، فثبت أن الحس مقدم في الوجود على العقل ، ولذلك قيل: من فقد حسًا فقد علمًا ، ومن قال: المراد من كونه سميعًا بصيرًا هو العقل ، قال: إنه لما بين في الآية الأولى أنه أعطاه العقل بين في هذه الآية ، أنه إنما أعطاه العقل ليبين له السبيل ويظهر له أن الذي يجب فعله ما هو . والذي لا يجوز ما هو .
المسألة الثانية: السبيل هو الذي يسلك من الطريق ، فيجوز أن يكون المراد بالسبيل ههنا سبيل الخير والشر والنجاة والهلاك ، ويكون معنى هديناه ، أي عرفناه وبينا كيفية كل واحد منهما له ، كقوله تعالى: { وهديناه النجدين } [ البلد: 10 ] ويكون السبيل اسمًا للجنس ، فلهذا أفرد لفظه كقوله تعالى: { إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } [ العصر: 2 ] ويجوز أن يكون المراد بالسبيل ، هو سبيل الهدى لأنها هي الطريقة المعروفة المستحقة لهذا الاسم على الإطلاق ، فأما سبيل الضلالة فإنما هي سبيل بالإضافة ، ألا ترى إلى قوله تعالى: { إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا } [ الأحزاب: 67 ] وإنما أضلوهم سبيل الهدى ، ومن ذهب إلى هذا جعل معنى قوله: { هديناه } أي أرشدناه ، وإذا أرشد لسبيل الحق ، فقد نبه على تجنب ما سواها ، فكان اللفظ دليلًا على الطريقين من هذا الوجه .
المسألة الثالثة: المراد من هداية السبيل خلق الدلائل ، وخلق العقل الهادي وبعثة الأنبياء وإنزال الكتب ، كأنه تعالى قال: خلقتك للابتلاء ثم أعطيتك كل ما تحتاج إليه ليهلك من هلك عن بينة وليس معناه خلقنا الهداية ، ألا ترى أنه ذكر السبيل ، فقال: { هديناه السبيل } أي أريناه ذلك .
المسألة الرابعة: قال الفراء: هديناه السبيل ، وإلى السبيل وللسبيل ، كل ذلك جائز في اللغة .
قوله تعالى: { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } فيه مسائل:
المسألة الأولى: في الآية أقوال:
الأول: أن شاكر أو كفورًا حالان من الهاء ، في هديناه السبيل ، أي هديناه السبيل كونه شاكرًا وكفورًا ، والمعنى أن كل ما يتعلق بهداية الله وإرشاده ، فقد تم حالتي الكفر والإيمان .
والقول الثاني: أنه انتصب قوله شاكرًا وكفورًا بإضمار كان ، والتقدير سواء كان شاكرًا أو كان كفورًا .