وفيه مسائل:
المسألة الأولى: المراد من كلمة: { لَوْلاَ } معنى هلا من كلمات التحضيض وهي أربع كلمات: لولا ، ولوما ، وهلا ، وألا ويمكن أن يقال: أصل الكلمات لم لا ، على السؤال كما يقول القائل: إن كنت صادقًا فلم لا يظهر صدقك ، ثم إنما قلنا: الأصل لم لا لكونه استفهامًا أشبه قولنا: هلا ، ثم إن الاستفهام تارة يكون عن وجود شيء وأخرى عن سبب وجوده ، فيقال: هل جاء زيد ولم جاء ، والاستفهام بهل قبل الاستفهام بلم ، ثم إن الاستفهام قد يستعمل للإنكار وهو كثير ، ومنه قوله تعالى ههنا: { أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } [ الواقعة: 81 ] وقوله: { أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ } [ الصافات: 125 ] وقوله تعالى: { أَءِفْكًا ءَالِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ } [ الصافات: 86 ] ونظائرها كثيرة ، وقد ذكرنا لك الحكمة فيه ، وهي أن النافي والناهي لا يأمر أن يكذب المخاطب فعرض بالنفي لئلا يحتاج إلى بيان النفي ، إذا ثبت هذا فالاستفهام «بهل» لإنكار الفعل ، والاستفهام «بلم» لإنكار سببه ، وبيان ذلك أن من قال: لم فعلت كذا ، يشير إلى أنه لا سبب للفعل ، ويقول: كان الفعل وقع من غير سبب الوقوع ، وهو غير جائز ، وإذا قال: هل فعلت ، ينكر نفس الفعل لا الفعل من غير سبب ، وكأنه في الأول يقول: لو وجد للفعل سبب لكان فعله أليق ، وفي الثاني يقول: الفعل غير لائق ولو وجد له سبب .
المسألة الثانية: إن كل واحد منهما يقع في صدر الكلام ، ويستدعي كلامًا مركبًا من كلامين في الأصل ، أما في «هل» فلأن أصلها أنك تستعملها في جملتين ، فتقول: هل جاء زيد أو ما جاء ، لكنك ربما تحذف أحديهما ، وأما في ( لو ) فإنك تقول: لو كان كذا لكان كذا ، وربما تحذف الجزاء كما ذكرنا في قوله تعالى: { لَّوْ تَعْلَمُونَ } [ الواقعة: 76 ] لأنه يشير بلو إلى أن المنفي له دليل ، فإذا قال القائل: لو كنتم تعلمون ، وقيل له لم لا يعلمون ، قال: إنهم لو يعلمون لفعلوا كذا ، فدليله مستحضر إن طولب به بينه وإذا ثبت أن النفي بلو ، والنفي بهل ، أبلغ من النفي بلا ، والنفي بقوله: لم ، وإن كان بينهما اشتراك معنى ولفظًا وحكمًا وصارت كلمات التحضيض وهي: لو ما ، ولولا ، وهلا وألا ، كما تقول: لم لا فإذن قول القائل: هل تفعل وأنت عنه مستغن ، كقوله: لم تفعل وهو قبي ، وقوله: وهلا تفعل وأنت إليه محتاج ، وألا تفعل وأنت إليه محتاج ، وقوله: لولا ، ولوما ، كقوله: لم لا تفعل ، ولم لا فعلت ، فقد وجد في ألا زيادة نص ، لأن نقل اللفظ لا يخلو من نص ، كما أن المعنى صار فيه زيادة ما ، على ما في الأصل كما بيناه ، وقوله تعالى: { فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } أي لم لا يقولون عند الموت وهو وقت ظهور الأمور وزمان اتفاق الكلمات ، ولو كان ما يقولونه حقًا ظاهرًا كما يزعمون لكان الواجب أن يشركوا عند النزع ، وهذا إشارة إلى أن كل أحد يؤمن عند الموت لكن لم يقبل إيمان من لم يؤمن قبله ، فإن قيل: ما سمع منهم الاعتراف وقت النزع بل يقولون: نحن نكذب الرسل أيضًا وقت بلوغ النفس إلى الحلقوم ونموت عليه؟ فنقول: هذه الآية بعينها إشارة وبشارة ، أما الإشارة فإلى الكفار ، وأما البشارة فللرسل ، أما الإشارة وهي أن الله تعالى ذكر للكفار حالة لا يمكنهم إنكارها وهي حالة الموت فإنهم وإن كفروا بالحشر وهو الحياة بعد الموت لكنهم لم ينكروا الموت ، وهو أظهر من كل ما هو من مثله فلا يشكون في حالة النزع ، ولا يشكون في أن في ذلك الوقت لا يبقى لهم لسان ينطق ، ولا إنكار بعمل فتفوتهم قوة الاكتساب لإيمانهم ولا يمكنهم الإتيان بما يجب فيكون ذلك حثًا لهم على تجديد النظر في طلب الحق قبل تلك الحالة ، وأما البشارة فلأن الرسل لما كذبوا وكذب مرسلهم صعب عليهم ، فبشروا بأن المكذبين سيرجعون عما يقولون ، ثم هو إن كان قبل النزع فذلك مقبول وإلا فعند الموت وهو غير نافع ، والضمير في { بَلَغَتِ } للنفس أو الحياة أو الروح ، وقوله: { وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } تأكيد لبيان الحق أي في ذلك الوقت تصير الأمور مرئية مشاهدة ينظر إليها كل من بلغ إلى تلك الحالة ، فإن كان ما ذكرتم حقًا كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت ، وقد ذكرنا التحقيق في { حِينَئِذٍ } في قوله: