فهرس الكتاب

الصفحة 6863 من 8321

ثم قال لبطلان جميع الأقسام { فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ إِن كَانُواْ صادقين } أي إن كان هو شاعرًا ففيكم الشعراء البلغاء والكهنة الأذكياء ومن يرتجل الخطب والقصائر ويقص القصص ولا يختلف الناقص والزائد فليأتوا بمثل ما أتى به ، والتقول يراد به الكذب . وفيه إشارة إلى معنى لطيف وهو أن التفعل للتكلف وإراءة الشيء وهو ليس على ما يرى يقال تمرض فلان أي لم يكون مريضًا وأرى من نفسه المرض وحينئذ كأنهم كانوا يقولون كذب وليس بقول إنما هو تقول صورة القول وليس في الحقيقة به ليعلم أن المكذب هو الصادق ، وقوله تعالى: { بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ } بيان هذا أنهم كانوا في زمان نزول الوحي وحصول المعجزة كانوا يشاهدونها وكان ذلك يقتضي أن يشهدوا له عند غيرهم ويكونوا كالنجوم للمؤمنين كما كانت الصحابة Bهم وهم لم يكونوا كذلك بل أقل من ذلك لم يكونوا أيضًا وهو أن يكونوا من آحاد المؤمنين الذين لم يشهدوا تلك الأمور ولم يظهر الأمر عندهم ذلك الظهور .

وقوله تعالى: { فَلْيَأْتُواْ } الفاء للتعقيب أي إذا كان كذلك فيجب عليهم أن يأتوا بمثل ما أتى به ليصحح كلامهم ويبطل كلامه وفيه مباحث:

الأول: قال بعض العلماء { فَلْيَأْتُواْ } أمر تعجيز بقول القائل لمن يدعي أمرًا أو فعلًا ويكون غرضه إظهار عجزه ، والظاهر أن الأمر ههنا مبقي على حقيقته لأنه لم يقل: ائتوا مطلقًا بل إنما قال: ائتوا إن كنتم صادقين ، وعلى هذا التقدير ووجود ذلك الشرط يجب الإتيان به وأمر التعجيز في كلام الله تعالى قوله تعالى: { إِنَّ الله * يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } [ البقرة: 258 ] وليس هذا بحثًا يورث خللًا في كلامهم .

الثاني: قالت المعتزلة الحديث محدث والقرآن سماه حديثًا فيكون محدثًا ، نقول الحديث اسم مشترك ، يقال للمحدث والقديم ، ولهذا يصح أن يقال هذا حديث قديم بمعنى متقادم العهد لا بمعنى سلب الأولية وذلك لا نزاع فيه .

الثالث: النحاة يقولون الصفة تتبع الموصوف في التعريف والتنكير ، لكن الموصوف حديث وهو منكر ومثل مضاف إلى القرآن والمضاف إلى المعرف معرف ، فكيف هذا؟ نقول مثل وغير لا يتعرفان بالإضافة وكذلك كل ما هو مثلهما والسبب أن غير أو مثلًا وأمثالهما في غاية التنكير ، فإنك إذا قلت ما رأيت شيئًا مثل زيد يتناول كل شيء فإن كل شيء مثل زيد في كونه شيئًا ، فالجماد مثله في الجسم والحجم والإمكان ، والنبات مثله في النشوء والنماء والذبول والفناء ، والحيوان مثله في الحركة والإدراك وغيرهما من الأوصاف ، وأما غير فهو عند الإضافة ينكر وعند قطع الإضافة ربما يتعرف فإنك إذا قلت غير زيد صار في غاية الإيهام فإنه يتناول أمورًا لا حصر لها ، وأما إذا قطعته عن الإضافة ربما تقول الغير والمغايرة من باب واحد وكذلك التغير فتجعل الغير كأسماء الأجناس ، أو تجعله مبتدأ وتريد به معنى معينًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت