فهرس الكتاب

الصفحة 6942 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال بعض المفسرين: نزلت الآية في الوليد بن المغيرة جلس عند النبي A وسمع وعظه ، وأثرت الحكمة فيه تأثيرًا قويًا ، فقال له رجل: لم تترك دين آبائك ، ثم قال له: لا تخف وأعطني كذا وأنا أتحمل عنك أوزارك ، فأعطاه بعض ما التزمه ، وتولى عن الوعظ وسماع الكلام من النبي A ، وقال بعضهم: نزلت في عثمان Bه ، كان يعطي ماله عطاء كثيرًا ، فقال له أخوه من أمه عبد الله بن سعد بن أبي سرح: يوشك أن يفنى مالك فأمسك ، فقال له عثمان: إن لي ذنوبًا أرجو أن يغفر الله لي بسبب العطاء ، فقال له أخوه: أنا أتحمل عنك ذنوبك إن تعطي ناقتك مع كذا ، فأعطاه ما طلب وأمسك يده عن العطاء ، فنزلت الآية ، وهذا قول باطل لا يجوز ذكره ، لأنه لم يتواتر ذلك ولا اشتهر ، وظاهر حال عثمان Bه يأبى ذلك ، بل الحق أن يقال: إن الله تعالى لما قال لنبيه A من قبل { فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا } [ النجم: 29 ] وكان التولي من جملة أنواعه تولي المستغني ، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ، ويسعى في تحصيل غيره ، فقال { أَفَرَأَيْتَ الذى تولى } عن استغناء ، أعلم بالغيب؟ .

المسألة الثانية: الفاء تقتضي كلامًا يترتب هذا عليه ، فماذا هو؟ نقول: هو ما تقدم من بيان علم الله وقدرته ، ووعده المسيء والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن الله تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان ، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان مستغنيًا عن سماع كلام النبي A وأتباعه ، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار .

المسألة الثالثة: { الذى } على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم ، وهو ذلك الرجل وهو الوليد ، والظاهر أنه عائد إلى مذكور ، فإن الله تعالى قال من قبل { فَأَعْرَضَ عن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال: { أَفَرَأَيْتَ الذى تولى } أي الذي سبق ذكره ، فإن قيل: كان ينبغي أن يقول الذين تولوا ، لأن ( من ) في قوله: { الذى تولى } للعموم؟ نقول: العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ } [ القصص: 84 ] ولم يقل فلهم .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: { وأعطى قَلِيلًا } ما المراد منه؟ نقول: على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد ، وقوله: { وأكدى } هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل ، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذمومًا لأن الإعطاء كان بغير حق ، فالامتناع لا يذم عليه ، وأيضًا فلا يبقى لقوله { قَلِيلًا } فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذمومًا ، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر ، فإنه لا يحصل به ، وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد ، وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع ، والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول: تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة ، ويقع في قوله تعالى: { أعندهُ عِلْمُ الغيب } في مقابلة قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت