واعلم أنه عليه السلام لما دعا على الكفار قال بعده: { رَبّ اغفر لِى } أي فيما صدر عني من ترك الأفضل ، ويحتمل أنه حين دعا على الكفار إنما دعا عليهم بسبب تأذيه منهم ، فكان ذلك الدعاء عليهم كالانتقام فاستغفر عن ذلك لما فيه من طلب حظ النفس .
ثم قال: { وَلِوَالِدَىَّ } أبوه لمك بن متوشلخ وأمه شمخاء بنت أنوش وكانا مؤمنين ، وقال عطاء: لم يكن بين نوح وآدم عليهما السلام من آبائه كافر ، وكان بينه وبين آدم عشرة آباء . وقرأ الحسن بن علي ( ولولدي ) يريد ساما وحاما .
ثم قال تعالى: { وَلَمَن دَخَلَ بَيْتِىَ مُؤْمِنًا } قيل: مسجدي ، وقيل: سفينتي ، وقيل: لمن دخل في ديني ، فإن قيل: فعلى هذا التفسير يصير قوله: { مُؤْمِنًا } مكررًا ، قلنا: إن من دخل في دينه ظاهرًا قد يكون مؤمنًا بقلبه وقد لا يكون ، والمعنى ولمن دخل في ديني دخولًا مع تصديق القلب .
ثم قال تعالى: { وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } إنما خص نفسه أولًا بالدعاء ثم المتصلين به لأنهم أولى وأحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات .
ثم ختم الكلام مرة أخرى بالدعاء على الكافرين فقال: { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَارًا } أي هلاكًا ودمارًا وكل شيء أهلك فقد تبر ومنه قوله: { إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ } [ الأعراف: 139 ] وقوله: { وَلِيُتَبّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا } [ الإسراء: 7 ] فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم بالكلية ، فإن قيل: ما جرم الصبيان حين أغرقوا؟ والجواب من وجوه الأول: أن الله تعالى أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل الطوفان بأربعين سنة أو ( تسعين ) فلم يكن معهم صبي حين أغرقوا ، ويدل عليه قوله: { استغفروا رَبَّكُمْ } إلى قوله { وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ } [ نوح: 10 12 ] وهذا يدل بحسب المفهوم على أنهم إذا لم يستغفروا فإنه تعالى لا يمددهم بالبنين الثاني: قال الحسن: علم الله براءة الصبيان فأهلكهم بغير عذاب الثالث: غرقوا معهم لا على وجه العقاب بل كما يموتون بالغرق والحرق وكان ذلك زيادة في عذاب الآباء والأمهات إذا أبصروا أطفالهم يغرقون والله سبحانه وتعالى أعلم .
والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .