اعلم أن المقصود منه إتمام الكلام في وعيد الكفار ، وذلك لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ الأعراف: 36 ] ثم شرح تعالى في هذه الآية كيفية ذلك الخلود في حق أولئك المكذبين المستكبرين بقوله: { كَذَّبُواْ بئاياتنا } أي بالدلائل الدالة على المسائل التي هى أصول الدين ، فالدهرية ينكرون دلائل إثبات الذات والصفات ، والمشركون ينكرون دلائل التوحيد ، ومنكرو النبوات يكذبون الدلائل الدالة على صحة النبوات ومنكرو نبوة محمد ينكرون الدلائل الدالة على نبوته ، ومنكرو المعاد ينكرون الدلائل الدالة على صحة المعاد ، فقوله: { كَذَّبُواْ بئاياتنا } يتناول الكل ، ومعنى الاستكبار طلب الترفع بالباطل وهذا اللفظ في حق البشر يدل على الذم قال تعالى في صفة فرعون: { واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق } [ القصص: 39 ] .
أما قوله تعالى: { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو { لاَ تُفَتَّحُ } بالتاء خفيفة ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء خفيفة والباقون بالتاء مشددة . أما القراءة بالتشديد فوجهها قوله تعالى: { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } [ الأنعام: 44 ] { فَفَتَحْنَا أبواب السماء } [ القمر: 11 ] وأما قراءة حمزة والكسائي فوجهها أن الفعل متقدم .
المسألة الثانية: في قوله: { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } أقوال . قال ابن عباس: يريد لا تفتح لأعمالهم ولا لدعائهم ولا لشيء مما يريدون به طاعة الله ، وهذا التأويل مأخوذ من قوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } [ فاطر: 10 ] ومن قوله: { كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين: 18 ] وقال السدي وغيره: لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ، وتفتح لأرواح المؤمنين ، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي في حديث طويل: أن روح المؤمن يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها ، فيقال مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ، ويقال لها ذلك حتى تنتهي إلى السماء السابعة ، ويستفتح لروح الكافر فيقال لها ارجعي ذميمة ، فإنه لا تفتح لك أبواب السماء .
والقول الثالث: أن الجنة في السماء فالمعنى: لا يؤذن لهم في الصعود إلى السماء ولا تطرق لهم إليها ليدخلوا الجنة .
والقول الرابع: لا تنزل عليهم البركة والخير ، وهو مأخوذ من قوله: { فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ } [ القمر: 11 ] وأقول هذه الآية تدل على أن الأرواح إنما تكون سعيدة إما بأن ينزل عليها من السماء أنواع الخيرات ، وإما بأن يصعد أعمال تلك الأرواح إلى السموات وذلك يدل على أن السموات موضع بهجة الأرواح ، وأماكن سعادتها ، ومنها تنزل الخيرات والبركات ، وإليها تصعد الأرواح حال فوزها بكمال السعادات ، ولما كان الأمر كذلك كان قوله: { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } من أعظم أنواع الوعيد والتهديد .
أما قوله تعالى: { وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } ففيه مسائل: