اعلم أنه تعالى أكد إبطال مذهب عبدة الأصنام بهذا المثال وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في تفسير هذ المثل قولان:
القول الأول: أن المراد أنا لو فرضنا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ، وفرضنا حرًا كريمًا غنيًا كثير الإنفاق سرًا وجهرًا ، فصريح العقل يشهد بأنه لا تجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة والبشرية ، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق والإفضال ، وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة .
والقول الثاني: أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر ، فإنه من حيث إنه بقي محرومًا عن عبودية الله تعالى وعن طاعته صار كالعبد الذليل الفقير العاجز ، والمراد بقوله: { وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } هو المؤمن فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة والشرف والقرب من رضوان الله تعالى .
واعلم أن القول الأول أقرب ، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد ، وفي الرد على القائلين بالشرك فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى .
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: { عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء } فقيل: المراد به الصنم لأنه عبد بدليل قوله: { إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدًا } [ مريم: 93 ] وأما أنه مملوك ولا يقدر على شيء فظاهر ، والمراد بقوله: { ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا } عابد الصنم لأن الله تعالى رزقه المال وهو ينفق من ذلك المال على نفسه وعلى أتباعه سرًا وجهرًا .
إذا ثبت هذا فنقول: هما لا يستويان في بديهة العقل ، بل صريح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالًا وأفضل مرتبة من ذلك العاجز ، فهنا صريح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم فكيف يجوز الحكم بكونه مساويًا لرب العالمين في العبودية .
والقول الثاني: أن المراد بقوله: { عبدًا مملوكًا } عبد معين ، وقيل: هو عبد لعثمان بن عفان ، وحملوا قوله: { ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا } على عثمان خاصة .
والقول الثالث: أنه عام في كل عبد بهذه الصفة وفي كل حر بهذه الصفة ، وهذا القول هو الأظهر ، لأنه هو الموافق لما أراده الله تعالى في هذه الآية ، والله أعلم .
المسألة الثالثة: احتج الفقهاء بهذه الآية على أن العبد لا يملك شيئًا .
فإن قالوا: ظاهر الآية يدل على أن عبدًا من العبيد لا يقدر على شيء ، فلم قلتم: إن كل عبد كذلك؟ فنقول: الذي يدل عليه وجهان: الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم ، وكونه عبدًا وصف مشعر بالذل والمقهورية . وقوله: { لا يقدر على شيء } حكم مذكور عقيبه فهذا يقتضي أن العلة لعدم القدرة على شيء هو كونه عبدًا ، وبهذا الطريق يثبت العموم . الثاني: أنه تعالى قال بعده: { ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا } فميز هذا القسم الثاني عن القسم الأول وهو العبد بهذه الصفة وهو أنه يرزقه رزقًا ، فوجب أن لا يحصل هذا الوصف للعبد حتى يحصل الامتياز بين القسم الثاني وبين القسم الأول ، ولو ملك العبد لكان الله قد آتاه رزقًا حسنًا ، لأن الملك الحلال رزق حسن سواء كان قليلًا أو كثيرًا . فثبت بهذين الوجهين أن ظاهر الآية يقتضي أن العبد لا يقدر على شيء ولا يملك شيئًا . ثم اختلفوا فروي عن ابن عباس وغيره التشدد في ذلك حتى قال: لا يملك الطلاق أيضًا . وأكثر الفقهاء قالوا يملك الطلاق إنما لا يملك المال ولا ما له تعلق بالمال . واختلفوا في أن المالك إذا ملكه شيئًا فهل يملكه أم لا؟ وظاهر الآية ينفيه ، بقي في الآية سؤالات: