المسألة الأولى: قوله: { وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ مّنَ الرحمن مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ } من تمام قوله: { إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ } [ الشعراء: 4 ] فنبه تعالى على أنه مع قدرته على أن يجعلهم مؤمنين بالإلجاء رحيم بهم من حيث يأتيهم حالًا بعد حال بالقرآن ، وهو الذكر ويكرره عليهم وهم مع ذلك على حد واحد في الإعراض والتكذيب والاستهزاء ، ثم عند ذلك زجر وتوعد لأن المرء إذا استمر على كفره فليس ينفع فيه إلا الزجر الشديد فلذلك قال: { فَقَدْ كَذَّبُواْ } أي بلغوا النهاية في رد آيات الله تعالى { فَسَيَأْتِيهِمْ أنباؤا مَا كَانُواْ به يستهزئون } وذلك إما عند نزول العذاب عليهم في الدنيا أو عند المعاينة أو في الآخرة ، فهو كقوله تعالى: { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ } [ ص: 88 ] وقد جرت العادة فيمن يسيء أن يقال له سترى حالك من بعد على وجه الوعيد ، ثم إنه تعالى بين أنه مع إنزاله القرآن حالًا بعد حال قد أظهر أدلة تحدث حالًا بعد حال فقال: { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } والزوج هو الصنف ( من النبات ) والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه ، يقال وجه كريم إذا كان مرضيًا في حسنه وجماله . وكتاب كريم إذا كان مرضيًا في فوائده ومعانيه ، والنبات الكريم هو المرضي فيما يتعلق به من المنافع ، وفي وصف الزوج بالكريم وجهان: أحدهما: أن النبات على نوعين نافع وضار ، فذكر سبحانه كثرة ما أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وترك ذكر الضار والثاني: أنه يعم جميع النبات نافعه وضاره ووصفهما جميعًا بالكرم ، ونبه على أنه ما أنبت شيئًا إلا وفيه فائدة وإن غفل عنها الغافلون .
أما قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } فهو كقوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] والمعنى أن في ذلك دلالة لمن يتفكر ويتدبر وما كان أكثرهم مؤمنين أي مع كل ذلك يستمر أكثرهم على كفرهم ، فأما قوله: { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } فإنما قدم ذكر العزيز على ذكر الرحيم لأنه لو لم يقدمه لكان ربما قيل إنه رحمهم لعجزه عن عقوبتهم ، فأزال هذا الوهم بذكر العزيز وهو الغالب القاهر ، ومع ذلك فإنه رحيم بعباده ، فإن الرحمة إذا كانت عن القدرة الكاملة كانت أعظم وقعًا . والمراد أنهم مع كفرهم وقدرة الله على أن يعجل عقابهم لا يترك رحمتهم بما تقدم ذكره من خلق كل زوج كريم من النبات ، ثم من إعطاء الصحة والعقل والهداية .
المسألة الثانية: أنه تعالى وصف الكفار بالإعراض أولًا وبالتكذيب ثانيًا وبالاستهزاء ثالثًا وهذه درجات من أخذ يترقى في الشقاوة ، فإنه يعرض أولًا ثم يصرح بالتكذيب والإنكار إلى حيث يستهزىء به ثالثًا .