فهرس الكتاب

الصفحة 4846 من 8321

اعلم أنه تعالى لما رد على أصناف الكفرة وبالغ في شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة ختم السورة بذكر أحوال المؤمنين فقال: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا } وللمفسرين في قوله: { وُدًّا } قولان: الأول: وهو قول الجمهور أنه تعالى سيحدث لهم في القلوب مودة ويزرعها لهم فيها من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي يكتسب الناس بها مودات القلوب من قرابة أو صداقة أو اصطناع معروف أو غير ذلك ، وإنما هو اختراع منه تعالى وابتداء تخصيصًا لأوليائه بهذه الكرامة كما قذف في قلوب أعدائهم الرعب والهيبة إعظامًا لهم وإجلالًا لمكانهم ، والسين في سيجعل إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله تعالى ذلك إذا جاء الإسلام ، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم وينشر من ديوان أعمالهم ، عن النبي A في هذه الآية: « إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل قد أحببت فلانًا فأحبوه فينادي جبريل عليه السلام بذلك في السماء والأرض وإذا أبغض عبدًا فمثل ذلك » وعن كعب قال: مكتوب في التوراة والإنجيل لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله تعالى ينزلها على أهل السماء ، ثم على أهل الأرض وتصديق ذلك في القرآن قوله: { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا } . القول الثاني: وهو اختيار أبي مسلم معنى: { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدًّا } أي يهب لهم ما يحبون والود والمحبة سواء ، يقال: آتيت فلانًا محبته ، وجعل لهم ما يحبون ، وجعلت له وده ، ومن كلامهم: يود لو كان كذا ، ووددت أن لو كان كذا أي أحببت ، ومعناه سيعطيهم الرحمن ودهم أي محبوبهم في الجنة . والقول الأول: أولى لأن حمل المحبة على المحبوب مجاز ، ولأنا ذكرنا أن الرسول A قرأ هذه الآية وفسرها بذلك فكان ذلك أولى ، وقال أبو مسلم: بل القول الثاني أولى لوجوه: أحدها: كيف يصح القول الأول مع علمنا بأن المسلم المتقي يبغضه الكفار وقد يبغضه كثير من المسلمين . وثانيها: أن مثل هذه المحبة قد تحصل للكفار والفساق أكثر فكيف يمكن جعله إنعامًا في حق المؤمنين . وثالثها: أن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا أن الله تعالى فعله فكان حمل الآية على إعطاء المنافع الأخروية أولى . والجواب عن الأول: أن المراد يجعل لهم الرحمن محبة عند الملائكة والأنبياء ، وروي عنه عليه السلام: أنه حكى عن ربه D أنه قال: « إذا ذكرني عبدي المؤمن في نفسه ذكرته في نفسي . وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أطيب منهم وأفضل »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت