فهرس الكتاب

الصفحة 6348 من 8321

اعلم أنا بينا أن الكلام في أول هذه السورة إنما ابتدىء ردًا على الذين يجادلون في آيات الله ، واتصل البعض بالبعض وامتد على الترتيب الذي لخصناه ، والنسق الذي كشفنا عنه إلى هذا الموضع ، ثم إنه تعالى نبّه في هذه الآية على الداعية التي تحمل أولئك الكفار على تلك المجادلة ، فقال: { إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان } إنما يحملهم على هذا الجدال الباطل كبر في صدرهم فذلك الكبر هو الذي يحملهم على هذا الجدال الباطل ، وذلك الكبر هو أنهم لو سلموا نبوتك لزمهم أن يكونوا تحت يدك وأمرك ونهيك ، لأن النبوّة تحتها كل ملك ورياسة وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا في خدمتك ، فهذا هو الذي يحملهم على هذه المجادلات الباطلة والمخاصمات الفاسدة .

ثم قال تعالى: { مَّا هُم ببالغيه } يعني أنهم يريدون أن يكونوا تحت يدك ولا يصلون إلى هذا المراد ، بل لا بدّ وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك ، ثم قال: { فاستعذ بالله } أي فالتجىء إليه من كيد من يجادلك { إِنَّهُ هُوَ السميع } بما يقولون ، أو تقول { البصير } بما تعمل ويعملون ، فهو يجعلك نافذ الحكم عليهم ويصونك عن مكرهم وكيدهم .

واعلم أنه تعالى لما وصف جدالهم في آيات الله بأنه بغير سلطان ولا حجة ذكر لهذا مثالًا ، فقال { لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس } والقادر على الأكبر قادر على الأصغر لا محالة ، وتقرير هذا الكلام أن الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها: أن يقال لما قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها: أن يقال لما قدر على الشيء قدر على مثله ، فهذا استدلال حق لما ثبت في العقول أن حكم الشيء حكم مثله وثالثها: أن يقال لما قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقل الأرذل كان أولى ، وهذا الاستدلال في غاية الصحة والقوة ولا يرتاب فيه عاقل ألبتة ، ثم إن هؤلاء القوم يسلمون أن خالق السموات والأرض هو الله سبحانه وتعالى ، ويعلمون بالضرورة أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس وكان من حقهم أن يقروا بأن القادر على خلق السموات والأرض يكون قادرًا على إعادة الإنسان الذي خلقه أولًا ، فهذا برهان جلي في إفادة هذا المطلوب ، ثم إن هذا البرهان على قوته صار بحيث لا يعرفه أكثر الناس ، والمراد منهم الذين ينكرون الحشر والنشر ، فظهر بهذا المثال أن هؤلاء الكفار يجادلون في آيات الله بغير سلطان ولا حجة ، بل بمجرد الحسد والجهل والكبر والتعصب ، ولما بيّن الله تعالى أن الجدال المقرون بالكبر والحسد والجهل كيف يكون ، وأن الجدال المقرون بالحجة والبرهان كيف يكون ، نبّه تعالى على الفرق بين البابين بذكر المثال فقال: { وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير } يعني وما يستوي المستدل والجاهل المقلد ، ثم قال: { والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء } فالمراد بالأول التفاوت بين العالم والجاهل ، والمراد بالثاني التفاوت بين الآتي بالأعمال الصالحة وبين الآتي بالأعمال الفاسدة الباطلة ، ثم قال: { قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ } يعني أنهم وإن كانوا يعلمون أن العلم خير من الجهل ، وأن العمل الصالح خير من العمل الفاسد ، إلا أنه قليلًا ما تتذكرون في النوع المعين من الاعتقاد أنه علم أو جهل ، والنوع المعين من العمل أنه عمل صالح أو فاسد ، فإن الحسد يعمي قلوبهم ، فيعتقدون في الجهل والتقليد أنه محض المعرفة ، وفي الحسد والحقد والكبر أنه محض الطاعة ، فهذا هو المراد من قوله { قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ } قرأ عاصم وحمزة والكسائي { تَتَذَكَّرُونَ } بالتاء على الخطاب ، أي قل لهم قليلًا ما تتذكرون ، والباقون بالياء على الغيبة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت