فهرس الكتاب

الصفحة 7326 من 8321

في نظم هذه الآيات وجه حسن معقول ، وهو أن المعاند لا يخلو من أحد أحوال ثلاثة ، إما أن يستمر عناده ، أو يرجى منه أن يترك العناد ، أو يترك العناد ويستسلم ، وقد بين الله تعالى في هذه الآيات أحوالهم ، وأمر المسلمين أن يعاملوهم في كل حالة على ما يقتضيه الحال .

أما قوله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إبراهيم والذين مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا برآء منكم } [ الممتحنة: 4 ] فهو إشارة إلى الحالة الأولى ، ثم قوله: { عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } [ الممتحنة: 7 ] إشارة إلى الحالة الثانية ، ثم قوله: { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات } إشارة إلى الحالة الثالثة ، ثم فيه لطيفة وتنبيه وحث على مكارم الأخلاق ، لأنه تعالى ما أمر المؤمنين في مقابلة تلك الأحوال الثلاث بالجزاء إلا بالتي هي أحسن ، وبالكلام إلا بالذي هو أليق .

واعلم أنه تعالى سماهن مؤمنات لصدور ما يقتضي الإيمان وهو كلمة الشهادة منهن ، ولم يظهر منهن ما هو المنافي له ، أو لأنهن مشارفات لثبات إيمانهن بالامتحان والامتحان وهو الابتلاء بالحلف ، والحلف لأجل غلبة الظن بإيمانهن ، وكان رسول الله A يقول للممتحنة: « بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت من بغض زوج ، بالله ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض ، بالله ما خرجت التماس دنيا ، بالله ما خرجت إلا حبًا لله ولرسوله » وقوله: { الله أَعْلَمُ بإيمانهن } منكم والله يتولى السرائر: { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ } العلم الذي هو عبارة عن الظن الغالب بالحلف وغيره ، { فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } أي تردوهن إلى أزواجهن المشركين ، وقوله تعالى: { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءاتُوهُم مَّا أَنفَقُواْ } أي أعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور ، وذلك أن الصلح عام الحديبية كان على أن من أتاكم من أهل مكة يرد إليهم ، ومن أتى مكة منكم لم يرد إليكم ، وكتبوا بذلك العهد كتابًا وختموه ، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة والنبي A بالحديبية ، فأقبل زوجها مسافر المخزومي ، وقيل: صيفي بن الراهب ، فقال: يا محمد أردد علي امرأتي فإنك قد شرطت لنا شرطًا أن ترد علينا من أتاك منا ، وهذه طية الكتاب لم تجف ، فنزلت بيانًا لأن الشرط إنما كان للرجال دون النساء . وعن الزهري أنه قال: إنها جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي عاتق ، فجاء أهلها يطلبون من رسول الله A أن يرجعها إليهم ، وكانت هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد ، فرد رسول الله A أخويها وحبسها فقالوا: أرددها علينا ، فقال عليه السلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت