فيه مسائل:
المسألة الأولى: { عَمَّ } : أصله حرف جر دخل ما الاستفهامية ، قال حسان C تعالى:
على ما قام يشتمني لئيم ... كخنزير تمرغ في رماد
والاستعمال الكثير على الحذف والأصل قليل ، ذكروا في سبب الحذف وجوهًا أحدها: قال الزجاج لأن الميم تشرك الغنة في الألف فصارا كالحرفين المتماثلين وثانيها: قال الجرجاني إنهم إذا وصفوا ما في استفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن تكون اسمًا كقولهم: فيم وبم ولم وعلام وحتام وثالثها: قالوا حذفت الألف لاتصال ما بحرف الجر حتى صارت كجزء منه لتنبىء عن شدة الاتصال ورابعها: السبب في هذا الحذف التخفيف في الكلام فإنه لفظ كثير التداول على اللسان .
المسألة الثانية: قوله { عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } أنه سؤال ، وقوله { عَنِ النبإ العظيم } جواب السائل والمجيب هو الله تعالى ، وذلك يدل على علمه بالغيب ، بل بجميع المعلومات . فإن قيل ما الفائدة في أن يذكر الجواب معه؟ قلنا لأن إيراد الكلام في معرض السؤال والجواب أقرب إلى التفهيم والإيضاح ونظيره { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر: 16 ] .
المسألة الثالثة: قرأ عكرمة وعيسى بن عمر ( عما ) وهو الأصل ، وعن ابن كثير أنه قرأ عمه بهاء السكت ، ولا يخلو إما أن يجري الوصل مجرى الوقف ، وإما أن يقف ويبتدىء ب { يَتَسَاءلُونَ عَنِ النبإ العظيم } على أن يضمر يتساءلون لأن ما بعده يفسره كشيء مبهم ثم يفسره .
المسألة الرابعة: ( ما ) لفظة وضعت لطلب ماهيات الأشياء وحقائقها ، تقول ما الملك؟ وما الروح؟ وما الجن؟ والمراد طلب ماهياتها وشرح حقائقها ، وذلك يقتضي كون ذلك المطلوب مجهولًا . ثم إن الشيء العظيم الذي يكون لعظمه وتفاقم مرتبته ويعجز العقل عن أن يحيط بكنهه يبقى مجهولًا ، فحصل بين الشيء المطلوب بلفظ ما وبين الشيء العظيم مشابهة من هذا الوجه والمشابهة إحدى أسباب المجاز ، فبهذا الطريق جعل { مَا } دليلًا على عظمة حال ذلك المطلوب وعلو رتبته ومنه قوله تعالى { وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ } [ المطففين: 8 ] ، { وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة } [ البلد: 12 ] وتقول زيد وما زيد .
المسألة الخامسة: التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضًا كالتقابل ، وقد يستعمل أيضًا في أن يتحدثوا به ، وإن لم يكن من بعضهم لبعض سؤال ، قال تعالى: { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } [ الطور: 25 ] { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يِقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ المصدقين } [ الصافات: 52 51 ] فهذا يدل على معنى التحدث فيكون معنى الكلام عم يتحدثون ، وهذا قول الفراء .
المسألة السادسة: أولئك الذين كانوا يتساءلون من هم ، فيه احتمالات: الاحتمال الأول: أنهم هم الكفار ، والدليل عليه قوله تعالى: { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } [ النبأ: 5 4 ] الضمير في يتساءلون ، وهم فيه مختلفون وسيعلمون ، راجع إلى شيء واحد وقوله: { كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تهديد والتهديد لا يليق إلا بالكفار ، فثبت أن الضمير في قوله: { يَتَسَاءلُونَ } عائد إلى الكفار ، فإن قيل فما تصنع بقوله: { هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } مع أن الكفار كانوا متفقين في إنكار الحشر؟ قلنا لا نسلم أنهم كانوا متفقين في إنكار الحشر ، وذلك لأن منهم من كان يثبت المعاد الروحاني ، وهم جمهور النصارى ، وأما المعاد الجسماني فمنهم من كان شاكًا فيه كقوله: