قوله تعالى: { رِحْلَةَ الشتاء والصيف } فيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الليث: الرحلة اسم الارتحال من القول للمسير ، وفي المراد من هذه الرحلة قولان: الأول: وهو المشهور ، قال المفسرون: كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشأم ، وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب في ذلك هو أن قريشًا إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا ، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف ، وكان سيد قومه ، وكان له ابن يقال له: أسد ، وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فشكا إليه الضرر والمجاعة فدخل أسد على أمه يبكي فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أيامًا ، ثم أتى ترب أسد إليه مرة أخرى وشكا إليه من الجوع فقام هاشم خطيبًا في قريش ، فقال: إنكم أجدبتم جدبًا تقلون فيه وتذلون ، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا: نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات ، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم ، فجاء الإسلام وهم على ذلك ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالًا ولا أعز من قريش ، قال الشاعر فيهم:
الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي
واعلم أن وجه النعمة والمنة فيه أنه لو تم لأصحاب الفيل ما أرادوا ، لترك أهل الأقطار تعظيمهم وأيضًا لتفرقوا وصار حالهم كحال اليهود المذكور في قوله: { وقطعناهم فِي الأرض أُمَمًا } [ الأعراف: 168 ] واجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النعمة من أن يكون الاجتماع من قبائل شتى ، ونبه تعالى أن من شرط السفر المؤانسة والألفة ، ومنه قوله تعالى: { وَلاَ جِدَالَ فِي الحج } [ الحج: 197 ] والسفر أحوج إلى مكارم الأخلاق من الإقامة القول الثاني: أن المراد ، رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفًا وموسم منافع مكة يكون بهما ، ولو كان يتم لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت هذه المنفعة .
المسألة الثانية: نصب الرحل بلإيلافهم مفعولًا به ، وأراد رحلتي الشتاء والصيف ، فأفرد لأمن الإلباس كقوله: كلوا في بعض بطنكم ، وقيل: معناه رحلة الشتاء ورحلة الصيف ، وقرىء ( رحلة ) بضم الراء وهي الجهة .