لما بين حال المجرم والمؤمن قال للعاقل هل يستوي الفريقان ، ثم بين أنهما لا يستويان ، ثم بين عدم الاستواء على سبيل التفصيل ، فقال: { أَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جنات المأوى } إشارة إلى ما ذكرنا أن الله أحسن ابتداء لا لعوض فلما آمن العبد وعمل صالحًا قبله منه كأنه ابتداء فجازاه بأن أعطاه الجنة ثم قال تعالى: { نُزُلًا } إشارة إلى أن بعدها أشياء لأن النزل ما يعطي الملك النازل ، وقت نزوله قبل أن يجعل له راتبًا أو يكتب له خبزًا وقوله: { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يحقق ما ذكرنا وقوله تعالى: { وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا } إشارة إلى حال الكافر ، وقد ذكرنا مرارًا أن العمل الصالح له مع الإيمان أثر أما الكفر إذا جاء فلا التفات إلى الأعمال ، فلم يقل وأما الذين فسقوا وعملوا السيآت لأن المراد من فسقوا كفروا ولو جعل العقاب في مقابلة الكفر والعمل ، لظن أن مجرد الكفر لا عقاب عليه ، وقوله في حق المؤمنين ( لَهُمْ ) بلام التمليك زيادة إكرام لأن من قال لغيره اسكن هذه الدار يكون ذلك محمولًا على العارية وله استرداده ، وإذا قال هذه الدار لك يكون ذلك محمولا على نسبة الملكية إليه وليس له استرداده بحكم قوله وكذلك في قوله: { لَهُمْ جنات } [ البقرة: 25 ] ألا ترى أنه تعالى لما أسكن آدم الجنة وكان في علمه أنه يخرجه منها قال: { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } [ البقرة: 35 ] ولم يقل لكما الجنة وفي الآخرة لما لم يكن للمؤمنين خروج عنها قال: { لَهُمْ الجنة } [ التوبة: 111 ] و { لَهُمْ جنات } وقوله: { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ } إشارة إلى معنى حكمي ، وهو أن المؤلم إذا تمكن والألم إذا امتد لم يبق به شعور تام ولهذا قال الأطباء إن حرارة حمى الدق بالنسبة إلى حرارة الحمى البلغمية نسبة النار إلى الماء المسخن ، ثم إن المدقوق لا يحس من الحرارة بما يحس به من به الحمى البلغمية لتمكن الدق وقرب العهد بظهور حرارة الحمى البلغمية ، وكذلك الإنسان إذا وضع يده في ماء بارد يتألم من البرد ، فإذا صبر زمانًا طويلًا تثلج يده ويبطل عنه ذلك الألم الشديد مع فساد مزاجه ، إذا علمت هذا فقوله: { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } إشارة إلى أن الإله لا يسكن عنهم بل يرد عليهم في كل حال أمر مؤلم يجدد وقوله: { ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } يقرر ما ذكرنا ومعناه أنهم في الدنيا كانوا يكذبون بعذاب النار ، فلما ذاقوه كان أشد إيلامًا لأن من لا يتوقع شيئًا فيصيبه يكون أشد تأثيرًا ، ثم إنهم في الآخرة كما في الدنيا يجزمون أن لا عذاب إلا وقد وصل إليهم ولا يتوقعون شيئًا آخر من العذاب فيرد عليهم عذاب أشد من الأول ، وكانوا يكذبون به بقولهم لا عذاب فوق ما نحن فيه فإذن معنى قوله تعالى: { ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } ليس مقتصرًا على تكذيبهم الذي كان في الدنيا بل { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } وقيل لهم ذوقوا عذابًا كذبتم به من قبل ، أما في الدنيا بقولكم لا عذاب في الآخرة ، وأما في الآخرة فبقولكم لا عذاب فوق ما نحن فيه .