فهرس الكتاب

الصفحة 5028 من 8321

اعلم أنه سبحانه لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد شرع في قصص الأنبياء عليهم السلام ، تسلية للرسول عليه السلام فيما يناله من قومه وتقوية لقلبه على أداء الرسالة والصبر على كل عارض دونها وذكر ههنا منها قصصًا .

( القصة الأولى ، قصة موسى عليه السلام )

ووجه الإتصال أنه تعالى لما أمر رسوله A أن يقول: { إِنَّمَا أُنذِرُكُم بالوحى } [ الأنبياء: 45 ] أتبعه بأن هذه عادة الله تعالى في الأنبياء قبله فقال: { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْرًَا لّلْمُتَّقِينَ } واختلفوا في المراد بالفرقان على أقوال: أحدها: أنه هو التوراة ، فكان فرقانًا إذ كان يفرق به بين الحق والباطل ، وكان ضياء إذ كان لغاية وضوحه يتوصل به إلى طرق الهدى وسبل النجاة في معرفة الله تعالى ومعرفة الشرائع ، وكان ذكرى أي موعظة أو ذكر ما يحتاجون إليه في دينهم ومصالحهم أو الشرف أما الواو في قوله: { وَضِيَاء } فروى عكرمة عن ابن عباس Bهما أنه قرأ ضياء بغير واو وهو حال من الفرقان ، وأما القراءة المشهورة فالمعنى آتيناهم الفرقان وهو التوراة وآتينا به ضياء وذكرى للمتقين . والمعنى أنه في نفسه ضياء وذكرى أو آتيناهما بما فيه الشرائع والمواعظ ضياء وذكرى . القول الثاني: أن المراد من الفرقان ليس التوراة ثم فيه وجوه: أحدها: عن ابن عباس Bهما الفرقان هو النصر الذي أوتي موسى عليه السلام كقوله: { وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان } [ الأنفال: 41 ] يعني يوم بدر حين فرق بين الحق وغيره من الأديان الباطلة . وثانيها: هو البرهان الذي فرق به دين الحق عن الأديان الباطلة عن ابن زيد . وثالثها: فلق البحر عن الضحاك . ورابعها: الخروج عن الشبهات ، قال محمد بن كعب واعلم أنه تعالى إنما خصص الذكرى بالمتقين لما في قوله: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] أما قوله تعالى: { الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب } فقال صاحب «الكشاف» : محل الذين جر على الوصفية أو نصب على المدح أو رفع عليه وفي معنى الغيب وجوه: أحدها: يخشون عذاب ربهم فيأتمرون بأوامره وينتهون عن نواهيه وإيمانهم بالله غيبي استدلالي ، فالعباد يعملون لله في الغيب والله لا يغيب عنه شيء عن ابن عباس Bهما . وثانيها: يخشون ربهم وهم غائبون عن الآخرة وأحكامها . وثالثها: يخشون ربهم في الخلوات إذا غابوا عن الناس وهذا هو الأقرب ، والمعنى أن خشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم إلا أن ذلك مما يظهرونه في الملا دون الخلا { وَهُمْ مّنَ } عذاب { الساعة } وسائر ما يجري فيها من الحساب والسؤال { مُشْفِقُونَ } فيعدلون بسبب ذلك الإشفاق عن معصية الله تعالى ، ثم قال وكما أنزلت عليهم الفرقان فكذلك هذا القرآن المنزل عليك وهو معنى قوله: { وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ } بركته كثرة منافعه وغزارة علومه وقوله: { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } فالمعنى أنه لا إنكار في إنزاله وفي عجائب ما فيه فقد آتينا موسى وهرون التوراة ، ثم هذا القرآن معجز لاشتماله على النظم العجيب والبلاغة البديعة واشتماله على الأدلة العقلية وبيان الشرائع ، فمثل هذا الكتاب مع كثرة منافعه كيف يمكنكم إنكاره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت