المسألة الثانية: لم أنث ضمير المثقال؟ قلنا: لإضافته إلى الحبة كقولهم ذهبت بعض أصابعه .
المسألة الثالثة: زعم الجبائي أن من استحق مائة جزء من العقاب فأتى بطاعة يستحق بها خمسين جزء من الثواب فهذا الأقل يتحبط بالأكثر ويبقى الأكثر كما كان . واعلم أن هذه الآية تبطل قوله لأن الله تعالى تمدح بأن اليسير من الطاعة لا يسقط ولو كان الأمر كما قال الجبائي لسقطت الطاعة من غير فائدة .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة قوله: { فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } فيه دلالة على أن مثل ذلك لو ابتدأه الله تعالى لكان قد ظلم ، فدل هذا الوجه على أنه تعالى لا يعذب من لا يستحق ولا يفعل المضار في الدنيا إلا للمنافع والمصالح . والجواب: الظلم هو التصرف في ملك الغير وذلك في حق الله تعالى محال لأنه المالك المطلق ، ثم الذي يدل على استحالة الظلم عليه عقلًا أن الظلم عند الخصم مستلزم للجهل أو الحاجة المحالين على الله تعالى ومستلزم المحال محال ، فالظلم على الله تعالى محال . وأيضًا فإن الظالم سفيه خارج عن الإلهية فلو صح منه الظلم لصح خروجه عن الإلهية ، فحينئذ يكون كونه إلهًا من الجائزات لا من الواجبات ، وذلك يقدح في إلهيته .
المسألة الخامسة: إن قيل الحبة أعظم من الخردلة ، فكيف قال حبة من خردل؟ قلنا: الوجه فيه أن تفرض الخردلة كالدينار ثم تعتبر الحبة من ذلك الدينار . والغرض المبالغة في أن شيئًا من الأعمال صغيرًا كان أو كبيرًا غير ضائع عند الله تعالى .
أما قوله تعالى: { وكفى بِنَا حاسبين } فالغرض منه التحذير فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء ، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء ، حقيق بالعاقل أن يكون في أشد الخوف منه ، ويروي عن الشبلي C تعالى أنه رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك فقال:
حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا