فإنهم لما أظهروا العجب من رسالته أظهروا استبعاد كلامه ، وهذا كما قال تعالى عنهم { قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُكُمْ } [ سبأ: 43 ] ، { وَقَالُواْ مَا هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } [ سبأ: 43 ] وفيه مسائل:
المسألة الأولى: فقوله { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا } إنكار منهم بقول أو بمفهوم دل عليه قوله تعالى: { جَاءهُمْ مُّنذِرٌ } [ ق: 2 ] لأن الإنذار لما لم يكن إلا بالعذاب المقيم والعقاب الأليم ، كان فيه الإشارة للحشر ، فقالوا { أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا } .
المسألة الثانية: ذلك إشارة إلى ما قاله وهو الإنذار ، وقوله { هذا شَىْء عَجِيبٌ } [ ق: 2 ] إشارة إلى المجيء على ما قلنا ، فلما اختلفت الصفتان نقول المجيء والجائي كل واحد حاضر . وأما الإنذار وإن كان حاضرًا لكن لكون المنذر به لما كان غير حاضر قالوا فيه ذلك ، والرجع مصدر رجع يرجع إذا كان متعديًا ، والرجوع مصدره إذا كان لازمًا ، وكذلك الرجعي مصدر عند لزومه ، والرجع أيضًا يصح مصدرًا للازم ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } أي رجوع بعيد ، ويحتمل أن يكون المراد الرجع المتعدي ، ويدل على الأول قوله تعالى: { إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى } [ العلق: 8 ] وعلى الثاني قوله تعالى: { أَءنَّا لَمَرْدُودُونَ } [ النازعات: 10 ] أي مرجعون فإنه من الرجع المتعدي ، فإن قلنا هو من المتعدي ، فقد أنكروا كونه مقدورًا في نفسه .