فهرس الكتاب

الصفحة 3771 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذا نوع آخر من شرح فضائح أولئك الكفار ، فالضمير في قوله { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } عائد إلى المذكور السابق ، وذلك هو قوله: { والذين كَسَبُواْ السيئات } [ يونس: 27 ] فلما وصف الله هؤلاء الذين يحشرهم بالشرك والكفر ، دل على أن المراد من قوله: { والذين كَسَبُواْ السيئات } الكفار ، وحاصل الكلام: أنه تعالى يحشر العابد والمعبود ، ثم إن المعبود يتبرأ من العابد ، ويتبين له أنه ما فعل ذلك بعلمه وإرادته ، والمقصود منه أن القوم كانوا يقولون: { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس: 18 ] فبين الله تعالى أنهم لا يشفعون لهؤلاء الكفار ، بل يتبرؤن منهم ، وذلك يدل على نهاية الخزي والنكال في حق هؤلاء الكفار ، ونظيره آيات منها قوله تعالى: { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } [ البقرة: 166 ] ومنها قوله تعالى: { ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } [ سبأ: 40 ، 41 ] .

واعلم أن هذا الكلام يشير على سبيل الرمز إلى دقيقة عقلية ، وهي أن ما سوى الواحد الأحد الحق ممكن لذاته ، والممكن لذاته محتاج بحسب ماهيته ، والشيء الواحد يمتنع أن يكون قابلًا وفاعلًا معًا ، فما سوى الواحد الأحد الحق لا تأثير له في الإيجاد والتكوين ، فالممكن المحدث لا يليق به أن يكون معبودًا لغيره ، بل المعبود الحق ليس إلا الموجد الحق ، وذلك ليس إلا الموجود الحق الذي هو واجب الوجود لذاته ، فبراءة المعبود من العابدين ، يحتمل أن يكون المراد منه ما ذكرناه . والله أعلم بمراده .

المسألة الثانية: ( الحشر ) الجمع من كل جانب إلى موقف واحد و { جَمِيعًا } نصب على الحال أي نحشر الكل حال اجتماعهم . و { مَكَانَكُمْ } منصوب بإضمار الزموا . والتقدير: الزموا مكانكم و { أَنتُمْ } تأكيد للضمير { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف عليه . واعلم أن قوله: { مَكَانَكُمْ } كلمة مختصة بالتهديد والوعيد والمراد أنه تعالى يقول للعابدين والمعبودين مكانكم أي الزموا مكانكم حتى تسألوا ، ونظيره قوله تعالى: { احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مسؤولون } [ الصافات: 22 24 ] .

أما قوله: { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } ففيه بحثان:

البحث الأول: أن هذه الكلمة جاءت على لفظ المضي بعد قوله: { ثُمَّ نَقُولُ } وهو منتظر ، والسبب فيه أن الذي حكم الله فيه ، بأن سيكون صار كالكائن الراهن الآن ، ونظيره قوله تعالى: { وَنَادَى أصحاب الجنة } [ الأعراف: 44 ] .

البحث الثاني: ( زيلنا ) فرقنا وميزنا . قال الفراء: قوله: { فَزَيَّلْنَا } ليس من أزلت ، إنما هو من زلت إذا فرقت . تقول العرب: زلت الضأن من المعز فلم تزل . أي ميزتها فلم تتميز ، ثم قال الواحدي: فالزيل والتزييل والمزايلة ، والتمييز والتفريق . قال الواحدي: وقرىء { فزايلنا بَيْنَهُمْ } وهو مثل { فَزَيَّلْنَا } وحكى الواحدي عن ابن قتيبة أنه قال في هذه الآية: هو من زال يزول وأزلته أنا ، ثم حكى عن الأزهري أنه قال: هذا غلط ، لأنه لم يميز بين زال يزول ، وبين زال يزيل ، وبينهما بون بعيد ، والقول ما قاله الفراء ، ثم قال المفسرون: { فَزَيَّلْنَا } أي فرقنا بين المشركين وبين شركائهم من الآلهة والأصنام ، وانقطع ما كان بينهم من التواصل في الدنيا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت