اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة ، وأهل النار ، وأهل الأعراف ، ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملًا للمكلف على الحذر والاحتراز وداعيًا له إلى النظر والاستدلال ، بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال: { وَلَقَدْ جئناهم بكتاب } وهو القرآن { فَصَّلْنَاهُ } أي ميزنا بعضه عن بعض ، تمييزًا يهدي إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط ، فأما قوله: { على عِلْمٍ } فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة ، والمنافع المتزايدة ، وقوله: { هُدًى وَرَحْمَةً } قال الزجاج: { هُدًى } في موضع نصب أي فصلناه هاديًا وذا رحمة وقوله: { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين ، والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] واحتج أصحابنا بقوله: { فصلناه على عِلْمٍ } على أنه تعالى عالم بالعلم ، خلافًا لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم . والله أعلم .