اعلم أن هذا هو القصة الثانية من القصص التي ذكرها الله تعالى في هذه السورة ، واعلم أن هذا معطوف على قوله: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا } [ الحديد: 26 ] والتقدير: ولقد أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا وقوله: { هُودًا } عطف بيان .
واعلم أنه تعالى وصف هودًا بأنه أخوهم ومعلوم أن تلك الأخوة ما كانت في الدين ، وإنما كانت في النسب ، لأن هودًا كان رجلًا من قبيلة عاد ، وهذه القبيلة كانت قبيلة من العرب وكانوا بناحية اليمن ، ونظيره ما يقال للرجل يا أخا تميم ويا أخا سليم ، والمراد رجل منهم .
فإن قيل: إنه تعالى ، قال في ابن نوح { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } [ هود: 46 ] فبين أن قرابة النسب لا تفيد إذا لم تحصل قرابة الدين ، وههنا أثبت هذه الأخوة مع الاختلاف في الدين ، فما الفرق بينهما؟
قلنا: المراد من هذا الكلام استمالة قوم محمد A ، لأن قومه كانوا يستبعدون في محمد ، مع أنه واحد من قبيلتهم ، أن يكون رسولًا إليهم من عند الله ، فذكر الله تعالى أن هودًا كان واحدًا من عاد ، وأن صالحًا كان واحدًا من ثمود؛ لإزالة هذا الاستبعاد .
واعلم أنه تعالى حكى عن هود عليه السلام ، أنه دعا قومه إلى أنواع من التكاليف .
فالنوع الأول: أنه دعاهم إلى التوحيد ، فقال: { ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } وفيه سؤال وهو أنه كيف دعاهم إلى عبادة الله تعالى قبل أن أقام الدلالة على ثبوت الإله تعالى؟
قلنا: دلائل وجود الله تعالى ظاهرة ، وهي دلائل الآفاق والأنفس وقلما توجد في الدنيا طائفة ينكرون وجود الإله تعالى ، ولذلك قال تعالى في صفة الكفار: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } .
قال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي C وختم له بالحسن ، دخلت بلاد الهند فرأيت أولئك الكفار مطبقين على الاعتراف بوجود الإله ، وأكثر بلاد الترك أيضًا كذلك ، وإنما الشأن في عبادة الأوثان ، فإنها آفة عمت أكثر أطراف الأرض وهكذا الأمر كان في الزمان القديم ، أعني زمان نوح وهود وصالح عليهم السلام ، فهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، كانوا يمنعونهم من عبادة الأصنام ، فكان قوله: { اعبدوا الله } معناه لا تعبدوا غير الله والدليل عليه أنه قال عقيبه: { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } وذلك يدل على أن المقصود من هذا الكلام منعهم عن الاشتغال بعبادة الأصنام .
وأما قوله: { مَالَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } فقرىء { غَيْرُهُ } بالرفع صفة على محل الجار والمجرور ، وقرىء بالجر صفة على اللفظ .
ثم قال: { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } يعني أنكم كاذبون في قولكم إن هذه الأصنام تحسن عبادتها ، أو في قولكم إنها تستحق العبادة ، وكيف لا يكون هذا كذبًا وافتراء وهي جمادات لاحس لها ولا إدراك ، والإنسان هو الذي ركبها وصورها فكيف يليق بالإنسان الذي صنعها أن يعبدها وأن يضع الجبهة على التراب تعظيمًا لها ، ثم إنه E لما أرشدهم إلى التوحيد ومنعهم عن عبادة الأوثان قال: و { ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى } وهو عين ما ذكره نوح عليه السلام ، وذلك لأن الدعوة إلى الله تعالى إذا كانت مطهرة عن دنس الطمع ، قوي تأثيرها في القلب .