فهرس الكتاب

الصفحة 1083 من 8321

الحكم السادس

اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام ، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له ، ومنه قيل / للصمت: صوم لأنه إمساك عن الكلام ، قال الله تعالى: { إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْمًا } [ مريم: 26 ] وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائمًا الظهيرة قال امرؤ القيس:

فدعها وسل الهم عنها بحسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرًا

وقال آخر:

حتى إذا صام النهار واعتدل ... وصامت الريح إذا ركدت ، وصام الفرس إذا قام على غير اعتلاف وقال النابغة:

خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما

ويقال: بكرة صائمة إذا قامت فلم تدر ، قال الراجز:

والبكرات شرهن الصائمة ... ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ، وكذلك مصام النجم قال امرؤ القيس:

كأن الثريا علقت في فصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل

هذا هو معنى الصوم في اللغة ، وفي الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات حال العلم بكونه صائمًا مع اقتران النية .

أما قوله تعالى: { كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: في هذا التشبيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم ، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم ، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة ، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله .

والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره ، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال: إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها: أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى ، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يومًا من السنة ، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون ، وكذبوا في ذلك أيضًا ، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله A ، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير ، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشرًا ، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعًا فزادوه ، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يومًا ، وهذا معنى قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَابًا } [ التوبة: 31 ] وهذا مروي عن الحسن وثانيها: أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يومًا وبعدها يومًا ، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يومًا ، ولهذا كره صوم يوم الشك ، وهو مروي عن الشعبي وثالثها: أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت