فهرس الكتاب

الصفحة 3398 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى مكرهم في ذات محمد . حكى مكرهم في دين محمد ، روى أن النضر بن الحرث خرج إلى الحيرة تاجرًا ، واشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكان يقعد مع المستهزئين والمقتسمين وهو منهم ، فيقرأ عليهم أساطير الأولين ، وكان يزعم أنها مثل ما يذكره محمد من قصص الأولين ، فهذا هو المراد من قوله: { قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الاولين } وههنا موضع بحث ، وذلك لأن الاعتماد في كون القرآن معجزًا عن أنه A تحدى العرب بالمعارضة ، فلم يأتوا بها ، وهذا إشارة إلى أنهم أتوا بتلك المعارضة ، وذلك يوجب سقوط الدليل المعول عليه .

والجواب: أن كلمة { لَوْ } تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله: { لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } يدل على أنه ما شاء ذلك القول ، وما قال . فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة ، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها ، وهذا ضعيف . لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة ، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه .

والشبهة الثانية: لهم قولهم: { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا .

فإن قيل: هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين: الأول: أن قوله { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } حكاه الله عن الكفار ، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضًا حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الارض يَنْبُوعًا } [ الإسراء: 90 ] وذلك أيضًا كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ، وذلك يدل على حصول المعارضة . الثاني: أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد E في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزًا لعرفوا كونه معجزًا لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد E ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا عى قولهم: { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة ، وحيث أتوا بهذه المبالغة ، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة .

والجواب عن الأول: أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة ، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور ، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت