فهرس الكتاب

الصفحة 6931 من 8321

أي اترك مجادلتهم فقد بلغت وأتيت بما كان عليك ، وأكثر المفسرين يقولون: بأن كل ما في القرآن من قوله تعالى: { فَأَعْرَضَ } منسوخ بآية القتل وهو باطل ، فإن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال ، فكيف ينسخ به؟ وذلك لأن النبي A كان مأمورًا بالدعاء بالحكمة والموعظة الحسنة ، فلما عارضوه بأباطيلهم قيل له { وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] ثم لما لم ينفع ، قال له ربه: فأعرض عنهم ولا تقابلهم بالدليل والبرهان ، فإنهم لا يتبعون إلا الظن ، ولا يتبعون الحق ، وقابلهم بالإعراض عن المناظرة بشرط جواز المقابلة ، فكيف يكون منسوخًا ، والإعراض من باب أشكاه والهمزة فيه للسلب ، كأنه قال: أزل العرض ، ولا تعرض عليهم بعد هذا أمرًا ، وقوله تعالى: { عن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } لبيان تقديم فائدة العرض والمناظرة ، لأن من لا يصغي إلى القول كيف يفهم معناه؟ وفي { ذِكْرِنَا } وجوه الأول: القرآن الثاني: الدليل والبرهان الثالث: ذكر الله تعالى ، فإن من لا ينظر في الشيء كيف يعرف صفاته؟ وهم كانوا يقولون: نحن لا نتفكر في آلاء الله لعدم تعلقنا بالله ، وإنما أمرنا مع من خلقنا ، وهم الملائكة أو الدهر على اختلاف أقاويلهم وتباين أباطيلهم ، وقوله تعالى: { وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، كما قالوا { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } [ المؤمنون: 37 ] وقال تعالى: { أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا } [ التوبة: 38 ] يعني لم يثبتوا وراءها شيئًا آخر يعملون له ، فقوله { عن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا } إشارة إلى إنكارهم الحشر ، لأنه إذا ترك النظر في آلاء الله تعالى لا يعرفه فلا يتبع رسوله فلا ينفعه كلامه . وإذا لم يقل بالحشر والحساب لا يخاف فلا يرجع عما هو عليه ، فلا يبقى إذن فائدة في الدعاء ، واعلم أن النبي A كان طبيب القلوب ، فأتى على ترتيب الأطباء ، وترتيبهم أن الحال إذا أمكن إصلاحه بالغذاء لا يستعملون الدواء ، وما أمكن إصلاحه بالدواء الضعيف لا يستعملون الدواء القوي ، ثم إذا عجزوا عن المداواة بالمشروبات وغيرها عدلوا إلى الحديد والكي وقيل آخر الدواء الكي ، فالنبي A أولًا أمر القلوب بذكر الله فحسب فإن بذكر الله تطمئن القلوب كما أن بالغذاء تطمئن النفوس ، فالذكر غذاء القلب ، ولهذا قال أولًا: قولوا لا إله إلا الله أمر بالذكر لمن انتفع مثل أبي بكر وغيره ممن انتفع ، ومن لم ينتفع ذكر لهم الدليل ، وقال: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ } [ الأعراف: 184 ] { قُلِ انظروا } [ يونس: 101 ] { أَفَلاَ يَنظُرُونَ } [ الغاشيه: 17 ] إلى غير ذلك ، ثم أتى بالوعيد والتهديد ، فلما لم ينفعهم قال: أعرض عن المعالجة ، واقطع الفاسد لئلا يفسد الصالح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت