فهرس الكتاب

الصفحة 2027 من 8321

واعلم أنه تعالى لما وعد المؤمنين بالثواب العظيم ، وكانوا في الدنيا في نهاية الفقر والشدة ، والكفار كانوا في النعم ، ذكر الله تعالى هذه الآية ما يسليهم ويصبرهم على تلك الشدة ، فقال: { لاَ يَغُرَّنَّكَ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا أن الغرور مصدر قولك: غررت الرجل بما يستحسنه في الظاهر ثم يجده عند التفتيش على خلاف ما يحبه ، فيقول: غرني ظاهره أي قبلته على غفلة عن امتحانه ، وتقول العرب في الثوب إذا نشر ثم أعيد إلى طيه: رددته على غرة .

المسألة الثانية: المخاطب في قوله: { لاَ يَغُرَّنَّكَ } من هو؟ فيه قولان: الأول: أنه الرسول A ولكن المراد هو الأمة . قال قتادة: والله ما غروا نبي الله A حتى قبضه الله ، والخطاب وإن كان له إلا أن المراد غيره ، ويمكن أن يقال: السبب لعدم إغرار الرسول عليه السلام بذلك هو تواتر هذه الآيات عليه ، كما قال: { وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا } [ الإسراء: 74 ] فسقط قول قتادة ، ونظيره قوله: { وَلاَ تكن مِنَ الكافرين } [ هود: 42 ] { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } [ الأنعام: 14 ] { وَلاَ تُطِعِ المكذبين } [ القلم: 8 ] والثاني: وهو أن هذا خطاب لكل من سمعه من المكلفين ، كأنه قيل: لا يغرنك أيها السامع:

المسألة الثالثة: تقلب الذين كفروا في البلاد ، فيه وجهان: الأول: نزلت في مشركي مكة كانوا يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد فنزلت الآية . والثاني: قال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال فنزلت هذه الآية ، والمراد بتقلب الذين كفروا في البلاد ، تصرفهم في التجارات والمكاسب ، أي لا يغرنكم أمنهم على أنفسهم وتصرفهم في البلاد كيف شاؤا ، وأنتم معاشر المؤمنين خائفون محضورون ، فان ذلك لا يبقى إلا مدة قليلة ثم ينتقلون إلى أشد العذاب .

ثم قال تعالى: { متاع قَلِيلٌ } قيل: أي تقلبهم متاع قليل ، وقال الفراء: ذلك متاع قليل ، وقال الزجاج: ذلك الكسب والربح متاع قليل ، وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات ، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي ، وكيف لا يكون قليلا وقد كان معدوما من الأزل إلى الآن ، وسيصير معدوما من الأزل إلى الأبد ، فاذا قابلت زمان الوجود بما مضى وما يأتي وهو الأزل والأبد ، كان أقل من أن يجوز وصفه بأنه قليل .

ثم قال تعالى: { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة ، وهو كقوله: { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًَا } [ آل عمران: 178 ] وقوله: { وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } [ الأعراف: 183 ] .

ثم قال: { وَبِئْسَ المهاد } أي الفراش ، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى: { لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [ الزمر: 16 ] فهم بين أطباق النيران ، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت