فهرس الكتاب

الصفحة 2212 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: ذكروا في سبب النزول وجهين: الأول: أن جماعة من أفاضل الصحابة صنع لهم عبد الرحمن بن عوف طعاما وشرابا حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا ، فلما ثملوا جاء وقت صلاة المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم . فقرأ: أعبد ما تعبدون وأنتم عابدون ما أعبد ، فنزلت هذه الآية ، فكانوا لا يشربون في أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها ، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر وعلموا ما يقولون ، ثم نزل تحريمها على الإطلاق في سورة المائدة . وعن عمر Bه أنه لما بلغه ذلك قال: اللهم إن الخمر تضر بالعقول والأموال ، فأنزل فيها أمرك فصبحهم الوحي بآية المائدة . الثاني: قال ابن عباس: نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع الرسول A ، فنهاهم الله عنه .

المسألة الثانية: في لفظ الصلاة قولان: أحدهما: المراد منه المسجد ، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن ، وإليه ذهب الشافعي .

واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل ، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف ، أي لا تقربوا موضع الصلاة ، وحذف المضاف مجاز شائع ، والثاني: قوله: { لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات } [ الحج: 40 ] والمراد بالصلوات مواضع الصلوات ، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز .

والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة ، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى .

واعلم أن فائدة الخلاف تظهر في حكم شرعي ، وهو أن على التقدير الأول يكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل ، وعلى هذا الوجه يكون الاستثناء دالا على أنه يجوز للجنب العبور في المسجد ، وهو قول الشافعي . وأما على القول الثاني فيكون المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ، ولا تقربوها حال كونكم جنبًا إلا عابري سبيل ، والمراد بعابر السبيل المسافر ، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء . قال أصحاب الشافعي: هذا القول الأول أرجح ، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه قال: { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة } والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة ، إنما يصحان على المسجد . الثاني: أنا لو حملناه على ما قلنا لكان الاستثناء صحيحا ، أما لو حملناه على ما قلتم لم يكن صحيحا ، لأن من لم يكن عابر سبيل وقد عجز عن استعمال الماء بسبب المرض الشديد ، فإنه يجوز له الصلاة بالتيمم ، وإذا كان كذلك كان حمل الآية على ذلك أولى . الثالث: أنا إذا حملنا عابر السبيل على الجنب المسافر ، فهذا إن كان واجدا للماء لم يجز له القرب من الصلاة ألبتة ، فحينئذ يحتاج إلى إضمار هذا الاستثناء في الآية ، وإن لم يكن واجدا للماء لم يجز له الصلاة إلا مع التيمم ، فيفتقر إلى إضمار هذا الشرط في الآية ، وأما على ما قلناه فانا لا نفتقر إلى إضمار شيء في الآية فكان قولنا أولى . الرابع: أن الله تعالى ذكر حكم السفر وعدم الماء ، وجواز التييم بعد هذا ، فلا يجوز حمل هذا على حكم مذكور في آية بعد هذه الآية ، والذي يؤكده أن القراء كلهم استحبوا الوقف عند قوله: { حتى تَغْتَسِلُواْ } ثم يستأنف قوله: { وَإِنْ كُنتُم مرضى } لأنه حكم آخر . وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا لم نحتج فيه إلى هذه الالحاقات فكان ما قلناه أولى . ولمن نصر القول الثاني أن يقول: إن قوله تعالى: { حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } يدل على أن المراد من قوله: { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة } نفس الصلاة لأن المسجد ليس فيه قول مشروع يمنع السكر منه ، أما الصلاة ففيها أقوال مخصوصة يمنع السكر منها ، فكان حمل الآية على هذا أولى ، وللقائل الأول أن يجيب بأن الظاهر أن الانسان إنما يذهب إلى المسجد لأجل الصلاة ، فما يخل بالصلاة كان كالمانع من الذهاب إلى المسجد فلهذا ذكر هذا المعنى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت