فقوله { هُدًى } أي بيانًا وفرقانًا ، وأما التفسير فمثل تفسير قوله تعالى: { الم * ذلك الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى } [ البقرة: 1 و2 ] وكما قيل هناك إن المعنى بذلك هذا ، كذلك قيل بأن المراد بتلك هذه ، ويمكن أن يقال كما قلنا هناك إن تلك إشارة إلى الغائب معناها آيات القرآن آيات الكتاب الحكيم وعند إنزال هذه الآيات التي نزلت مع { الم * تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } لم تكن جميع الآيات نزلت فقال تلك إشارة إلى الكل أي آيات القرآن تلك آيات ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قال في سورة البقرة { ذلك الكتاب } [ البقرة: 2 ] ولم يقل الحكيم ، وههنا قال { الحكيم } [ لقمان: 2 ] فلما زاد ذكر وصف الكتاب زاد ذكر أمر في أحواله فقال: { هُدًى وَرَحْمَةً } وقال هناك { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] فقوله: { هُدًى } في مقابلة قوله: { الكتاب } وقوله: { وَرَحْمَةً } في مقابلة قوله: { الحكيم } ووصف الكتاب بالحكيم على معنى ذي الحكم كقوله تعالى: { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة: 21 ] أي ذات رضا .
المسألة الثانية: قال هناك { لّلْمُتَّقِينَ } وقال ههنا { لّلْمُحْسِنِينَ } لأنه لما ذكر أنه هدى ولم يذكر شيئًا آخر قال: { لّلْمُتَّقِينَ } أي يهتدي به من يتقي الشرك والعناد والتعصب ، وينظر فيه من غير عناد ، ولما زاد ههنا رحمة قال: { لّلْمُحْسِنِينَ } أي المتقين الشرك والعناد الآتين بكلمة الإحسان فالمحسن هو الآتي بالإيمان والمتقي هو التارك للكفر ، كما قال تعالى: { إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ } [ النحل: 128 ] ومن جانب الكفر كان متقيًا وله الجنة ، ومن أتى بحقيقة الإيمان كان محسنًا وله الزيادة لقوله تعالى: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26 ] ولأنه لما ذكر أنه رحمة قال: { لّلْمُحْسِنِينَ } لأن رحمة الله قريب من المحسنين .
المسألة الثالثة: قال هناك { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة } [ البقرة: 3 ] وقال ههنا { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } ولم يقل يؤمنون لما بينا أن المتقي هو التارك للكفر ويلزمه أن يكون مؤمنًا والمحسن هو الآتي بحق الإيمان ، ويلزمه أن لا يكون كافرًا ، فلما كان المتقي دالًا على المؤمن في الالتزام صرح بالإيمان هناك تبيينًا ولما كان المحسن دالًا على الإيمان بالتنصيص لم يصرح بالإيمان وقوله تعالى: { الذين يُقِيمُونَ الصلاة } قد ذكرنا ما في الصلاة وإقامتها مرارًا وما في الزكاة والقيام بها ، وذكرنا في تفسير الأنفال في أوائلها أن الصلاة ترك التشبه بالسيد فإنها عبادة صورة وحقيقة والله تعالى تجب له العبادة ولا تجوز عليه العبادة ، وترك التشبه لازم على العبد أيضًا في أمور فلا يجلس عند جلوسه ولا يتكىء عند اتكائه ، والزكاة تشبه بالسيد فإنها دفع حاجة الغير والله دافع الحاجات ، والتشبه لازم على العبد أيضًا في أمور ، كما أن عبد العالم لا يتلبس بلباس الأجناد ، وعبد الجندي لا يتلبس بلباس الزهاد ، وبهما تتم العبودية .