فهرس الكتاب

الصفحة 8149 من 8321

قوله تعالى: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية } فيه مسائل:

المسألة الأولى: الوجه في حسن تقديم الوعيد على الوعد وجوه أحدها: أن الوعيد كالدواء ، والوعد كالغذاء ، ويجب تقديم الدواء حتى إذا صار البدن نقيًا انتفع بالغذاء ، فإن البدن غير النقي كلما غذوته زدته شرًا ، هكذا قاله بقراط في كتاب « الفصول » وثانيها: أن الجلد بعد الدبغ يصير صالحًا للمدارس والخف ، أما قبله فلا ، ولذلك فإن الإنسان متى وقع في محنة أو شدة رجع إلى الله ، فإذا نال الدنيا أعرض ، على ما قال: { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } [ العنكبوت: 65 ] وثالثها: أن فيه بشارة ، كأنه تعالى يقول: لما لم يكن بد من الأمرين ختمت بالوعد الذي هو بشارة مني في أني أختم أمرك بالخير ، ألست كنت نجسًا في مكان نجس ، ثم أخرجتك إلى الدنيا طاهرًا ، أفلا أخرجك إلى الجنة طاهرًا! .

المسألة الثانية: احتج من قال: إن الطاعات ليست داخلة في مسمى الإيمان بأن الأعمال الصالحة معطوفة في هذه الآية على الإيمان ، والمعطوف غير المعطوف عليه .

المسألة الثالثة: قال: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } ولم يقل: إن المؤمنين إشارة إلى أنهم أقاموا سوق الإسلام حال كساده ، وبذلوا الأموال والمهج لأجله ، ولهذا السبب استحقوا الفضيلة العظمى كما قال: { لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل } [ الحديد: 10 ] ولفظة: { ءامَنُواْ } أي فعلوا الإيمان مرة .

واعلم أن الذين يعتبرون الموافاة يحتجون بهذه الآية ، وذلك لأنها تدل على أن من أتى بالإيمان مرة واحدة فله هذا الثواب ، والذي يموت على الكفر لا يكون له هذا الثواب ، فعلمنا أنه ما صدر الإيمان عنه في الحقيقة قبل ذلك .

المسألة الرابعة: قوله: { وَعَمِلُواْ الصالحات } من مقابلة الجمع بالجمع ، فلا يكلف الواحد بجميع الصالحات ، بل لكل مكلف حظ فحظ الغني الإعطاء ، وحظ الفقير الأخذ .

المسألة الخامسة: احتج بعضهم بهذه الآية في تفضيل البشر على الملك ، قالوا: روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال: « أتعجبون من منزلة الملائكة من الله تعالى! والذي نفسي بيده لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من ذلك ، واقرؤا إن شئتم: { أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } »

واعلم أن هذا الاستدلال ضعيف لوجوه: أحدها: ما روى عن يزيد النحوي أن البرية بنو آدم من البرا وهو التراب فلا يدخل الملك فيه البتة وثانيها: أن قوله: { إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } غير مختص بالبشر بل يدخل فيه الملك وثالثها: أن الملك خرج عن النص بسائر الدلائل ، قالوا: وذلك لأن الفضيلة إما مكتسبة أو موهوبة ، فإن نظرت إلى الموهوبة فأصلهم من نور وأصلك من حمأ مسنون ، ومسكنهم دار لم يترك فيها أبوك مع الزلة ومسكنكم أرض هي مسكن الشياطين ، وايضًا فمصالحنا منتظمة بهم ورزقنا في يد البعض وروحنا في يد البعض ، ثم هم العلماء ونحن المتعلمون ، ثم انظر إلى عظيم همتهم لا يميلون إلى محقرات الذنوب ، ومن ذلك فإن الله تعالى لم يحك عنهم سوى دعوى الإلهية حين قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت