فهرس الكتاب

الصفحة 1454 من 8321

فيه مسألتان:

المسألة الأولى: اللام في { الدين } فيه قولان أحدهما: أنه لام العهد والثاني: أنه بدل من الإضافة ، كقوله { فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى } [ النازعات: 41 ] أي مأواه ، والمراد في دين الله .

المسألة الثانية: في تأويل الآية وجوه أحدها: وهو قول أبي مسلم والقفال وهو الأليق بأصول المعتزلة: معناه أنه تعالى ما بنى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ثم احتج القفال على أن هذا هو المراد بأنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر ، قال بعد ذلك: إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل للكافر عذر في الإقامة على الكفر إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان ، ونظير هذا قوله تعالى: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف: 29 ] وقال في سورة أخرى { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [ الشعراء: 3 ، 4 ] وقال في سورة الشعراء { لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءَايَةً فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } ومما يؤكد هذا القول أنه تعالى قال بعد هذه الآية { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } يعني ظهرت الدلائل ، ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلا طريق القسر والإلجاء والإكراه ، وذلك غير جائز لأنه ينافي التكليف فهذا تقرير هذا التأويل .

القول الثاني: في التأويل هو أن الإكراه أن يقول المسلم للكافر: إن آمنت وإلا قتلتك فقال تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } أما في حق أهل الكتاب وفي حق المجوس ، فلأنهم إذا قبلوا الجزية سقط القتل عنهم ، وأما سائر الكفار فإذا تهودوا أو تنصروا فقد اختلف الفقهاء فيهم ، فقال بعضهم: إنه يقر عليه؛ وعلى هذا التقدير يسقط عنه القتل إذا قبل الجزية ، وعلى مذهب هؤلاء كان قوله { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } عامًا في كل الكفار ، أما من يقول من الفقهاء بأن سائر الكفار إذا تهودوا أو تنصروا فإنهم لا يقرون عليه ، فعلى قوله يصح الإكراه في حقهم ، وكان قوله { لا إِكْرَاهَ } مخصوصًا بأهل الكتاب .

والقول الثالث: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهًا ، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره ، ومعناه لا تنسبوهم إلى الإكراه ، ونظيره قوله تعالى: { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِنًا } [ النساء: 94 ] .

أما قوله تعالى: { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: يقال: بان الشيء واستبان وتبين إذا ظهر ووضح ، ومنه المثل: قد تبين الصبح لذي عينين ، وعندي أن الإيضاح والتعريف إنما سمي بيانًا لأنه يوقع الفصل والبينونة بين المقصود وغيره ، والرشد في اللغة معناه إصابة الخير ، وفيه لغتان: رشد ورشد والرشاد مصدر أيضًا كالرشد ، والغي نقيض الرشد ، يقال غوى يغوي غيًا وغواية ، إذا سلك غير طريق الرشد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت