فهرس الكتاب

الصفحة 5131 من 8321

إعلم أنه تعالى لما حكى من عظم ما هم عليه من التكذيب أنهم يستهزئون باستعجال العذاب فقال: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } وفي ذلك دلالة على أنه عليه السلام كان يخوفهم بالعذاب إن استمروا على كفرهم ولأن قولهم: { لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملئكة } [ الحجر: 7 ] يدل على ذلك فقال تعالى: { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } لأن الوعد بالعذاب إذا كان في الآخرة دون الدنيا فاستعجاله يكون كالخلف ثم بين أن العاقل لا ينبغي أن يستعجل عذاب الآخرة فقال: { وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ } يعني فيما ينالهم من العذاب وشدته { كَأَلْفِ سَنَةٍ } لو بقي وعذب في كثرة الآلام وشدتها فبين سبحانه أنهم لو عرفوا حال عذاب الآخرة وأنه بهذا الوصف لما استعجلوه ، وهذا قول أبي مسلم وهو أولى الوجوه: الوجه الثاني: أن المراد طول أيام الآخرة في المحاسبة ويرجع معناه إلى قريب مما تقدم ، وذلك أن الأيام القصيرة إذا مرت في الشدة كانت مستطيلة فكيف تكون الأيام المستطيلة إذا مرت في الشدة . ثم إن العذاب الذي يكون طول أيامها إلى هذا الحد لا ينبغي للعاقل أن يستعجله والوجه الثالث: أن اليوم الواحد وألف سنة بالنسبة إليه على السواء لأنه القادر الذي لا يعجزه شيء ، فإذا لم يستبعدوا إمهال يوم فلا يستبعدوا أيضًا إمهال ألف سنة .

أما قوله: { وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظالمة } فالمراد وكم من قرية أخرت إهلاكهم مع استمرارهم على ظلمهم فاغتروا بذلك التأخير ثم أخذتهم بأن أنزلت العذاب بهم ، ومع ذلك فعذابهم مدخر إذا صاروا إلي وهو تفسير قوله: { وَإِلَىَّ المصير } فإن قيل فلم قال فيما قبل { فَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها وَهِيَ ظَالِمَةٌ } [ الحج: 45 ] وقال ههنا: { وَكَأَيِّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } الأولى بالفاء وهذه بالواو؟ قلنا: الأولى وقعت بدلًا عن قوله: { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [ الحج: 44 ] وأما هذه فحكمها حكم ما تقدمها من الجملتين المعطوفتين بالواو ، أعني قوله: { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } .

أما قوله: { قُلْ ياأيها الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } فالمعنى أنه تعالى أمر رسوله بأن يديم لهم التخويف والإنذار ، وأن لا يصده ما يكون منهم من الاستعجال للعذاب على سبيل الهزؤ عن إدامة التخويف والإنذار ، وأن يقول لهم إنما بعثت للإنذار فاستهزاؤكم بذلك لا يمنعني منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت