فهرس الكتاب

الصفحة 5945 من 8321

{ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا } قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر ، ونعم الله قسمان: عاجلة وآجلة ، والعاجلة وجود وبقاء ، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى ، وقوله تعالى: { الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَجَعَلَ الظلمات والنور } [ الأنعام: 1 ] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد ، واستدللنا عليه بقوله تعالى: { هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا } [ الأنعام: 2 ] وقوله في الكهف: { الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } [ الكهف: 1 ] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء ، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب ، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفصل بينهم ، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل والتفاني ، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل ، وفي قوله في سورة سبأ: { الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِى الآخرة } [ سبأ: 1 ] إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر ، واستدللنا عليه بقوله: { يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى الأرض } من الأجسام { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } من الأرواح { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } [ سبأ: 2 ] وقوله عن الكافرين: { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبّي } [ سبأ: 3 ] وههنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ، ويدل عليه قوله تعالى: { جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا } أي يجعلهم رسلًا يتلقون عباد الله ، كما قال تعالى: { وتتلقاهم الملئكة } [ الأنبياء: 103 ] وعلى هذا فقوله تعالى { فَاطِرِ السموات } يحتمل وجهين الأول: معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني: { فَاطِرِ السموات والأرض } أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى: { جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا } فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلًا ، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى ، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت . كما قال تعالى عنهم: { وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ وأنى لَهُمُ التناوش } [ سبأ: 52 ] فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم مبشرين ، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة .

وقوله تعالى: { أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع } أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان وما بعدهما زيادة ، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة ، وبيانه هو أن الله تعالى ليس فوقه شيء ، وكل شيء فهو تحت قدرته ونعمته ، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن الله ، كما قال تعالى: { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ } [ الشعراء: 193 ، 194 ] وقوله: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى } [ النجم: 5 ] وقال تعالى في حقهم: { فالمدبرات أَمْرًا } [ النازعات: 5 ] فهما جناحان ، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة ، وفيهم من يفعله لا بواسطة ، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات ، ومنهم من له أربع جهات وأكثر ، والظاهر ما ذكرناه أولًا وهو الذي عليه إطباق المفسرين .

وقوله تعالى: { يَزِيدُ فِي الخلق مَا يَشَاء } من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن ، ومنهم من قال الصوت الحسن ، ومنهم من قال كل وصف محمود ، والأولى أن يعمم ، ويقال الله تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء .

وقوله تعالى: { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } يقرر قوله: { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاءُ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت