اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين عنها ، وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير ، عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها . ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله A نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى ، وصدر أيضًا عن المؤمنين نوع زلة ، فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات . فقال: { لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقًا شديدًا على الرسول E وعلى المؤمنين ، على ما سيجيء شرحها ، وهذا يوجب الثناء ، فكيف يليق بها قوله: { لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى والمهاجرين } .
والجواب من وجوه: الأول: أنه صدر عن النبي E شيء من باب ترك الأفضل ، وهو المشار إليه بقوله تعالى: { عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [ التوبة: 43 ] وأيضًا لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها ، فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة ، وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار . ولست أقول عزموا عليه ، بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم ، فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها . فقال: { لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه } .
والوجه الثاني: في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات ، إما من باب الصغائر ، وإما من باب ترك الأفضل . ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه ، وصبروا على تلك الشدائد والمحن ، أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرًا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر ، وصار قائمًا مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها . فلهذا السبب قال تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى } الآية .
والوجه الثالث: في الجواب: أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر ، وكانت الوساوس تقع في قلوبهم ، فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها ، وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه ، فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم ، قال تعالى: { لَقَدْ تَابَ اللهُ على النبى } الآية .
والوجه الرابع: لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي ، إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ، ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول E إلى ذكرهم تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدين . وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ، ضم الرسول E إليهم في قبول التوبة .