فهرس الكتاب

الصفحة 3336 من 8321

اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام . وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة ، وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ، ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى ، فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة ، والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة ، وعن قوة الحياة ، وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام ، بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة ، وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة ، لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة . هذا هو الوجه في تقرير هذا الدليل الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية ، وقد تعلق بعض أغمار المشبهة وجهًا لهم بهذه الآية في إثبات هذه الأعضاء لله تعالى . فقالوا: إنه تعالى جعل عدم هذه الأعضاء لهذه الأصنام دليلًا على عدم إلهيتها ، فلو لم تكن هذه الأعضاء موجودة لله تعالى لكان عدمها دليلًا على عدم الإلهية وذلك باطل ، فوجب القول بإثبات هذه الأعضاء لله تعالى . والجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: أن المقصود من هذه الآية: بيان أن الإنسان أفضل وأكمل حالًا من الصنم ، لأن الإنسان له رجل ماشية ، ويد باطشة ، وعين باصرة ، وأذن سامعة ، والصنم رجله غير ماشية ، ويده غير باطشة ، وعينه غير مبصرة ، وأذنه غير سامعة ، وإذا كان كذلك كان الإنسان أفضل وأكمل حالًا من الصنم ، واشتغال الأفضل الأكمل بعبادة الأخس الأدون جهل ، فهذا هو المقصود من ذكر هذا الكلام ، لا ما ذهب إليه وهم هؤلاء الجهال .

الوجه الثاني: في الجواب أن المقصود من ذكر هذا الكلام: تقرير الحجة التي ذكرها قبل هذه الآية وهي قوله: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } [ الأعراف: 192 ] يعني كيف تحسن عبادة من لا يقدر على النفع والضرر ، ثم قرر تعالى ذلك بأن هذه الأصنام لم يحصل لها أرجل ماشية ، وأيد باطشة ، وأعين باصرة ، وآذان سامعة ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن قادرة على الإنفاع والإضرار ، فامتنع كونها آلهة . أما إله العالم تعالى وتقدس فهو وإن كان متعاليًا عن هذه الجوارح والأعضاء إلا أنه موصوف بكمال القدرة على النفع والضرر وهو موصوف بكمال السمع والبصر فظهر الفرق بين البابين .

أما قوله تعالى: { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } قال الحسن: إنهم كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم ، فقال تعالى: { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ } ليظهر لكم أنه لا قدرة لها على إيصال المضار إلي بوجه من الوجوه ، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في { كيدوني } والباقون حذفوها ومثله في قوله: { فَلاَ تُنظِرُونِ } قال الواحدي ، والقول فيه أن الفواصل تشبه القوافي ، وقد حذفوا هذه الياآت إذا كانت في القوافي كقوله:

يلمس الإحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي الممل

والذين أثبتوها فلأن الأصل هو الإثبات ، ومعنى قوله: { فَلاَ تُنظِرُونِ } أي لا تمهلوني واعجلوا في كيدي أنتم وشركائكم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت