فهرس الكتاب

الصفحة 7395 من 8321

قوله تعالى: { الذى خَلَقَ الموت والحياة } فيه مسائل:

المسألة الأولى: قالوا: الحياة هي الصفة التي يكون الموصوف بها بحيث يصح أن يعلم ويقدر واختلفوا في الموت ، فقال قوم: إنه عبارة عن عدم هذه الصفة وقال أصحابنا: إنه صفة وجودية مضادة للحياة واحتجوا على قولهم بأنه تعالى قال: { الذى خَلَقَ الموت } والعدم لا يكون مخلوقًا هذا هو التحقيق ، وروى الكلبي بإسناده عن ابن عباس أن الله تعالى خلق الموت في صورة كبش أملح لا يمر بشيء ، ولا يجد رائحته شيء إلا مات وخلق الحياة في صورة فارس يلقاه فوق الحمار ودون البغل ، لا تمر بشيء ولا يجد ريحتها شيء إلا حيي . واعلم أن هذا لا بد وأن يكون مقولًا على سبيل التمثيل والتصوير ، وإلا فالتحقيق هو الذي ذكرناه .

المسألة الثانية: إنما قدم ذكر الموت على ذكر الحياة مع أن الحياة مقدمة على الموت لوجوه: أحدها: قال مقاتل: يعني بالموت نطفة وعلقة ومضغة والحياة نفخ الروح وثانيها: روى عطاء عن ابن عباس قال: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان وثالثها: أنه روي عن النبي A: « أن مناديًا ينادي يوم القيامة يا أهل الجنة ، فيعلمون أنه من قبل الله D فيقولون: لبيك ربنا وسعديك ، فيقول: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا: نعم ، ثم يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويذبح ثم ينادي يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرح ، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزن » واعلم أنا بينا أن الموت عرض من الأعراض كالسكون والحركة فلا يجوز أن يصير كبشًا بل المراد منه التمثيل ليعلم أن في ذلك اليوم قد انقضى أمر الموت ، فظهر بما ذكرناه أن أيام الموت هي أيام الدنيا وهي منقضية ، وأما أيام الآخرة فهي أيام الحياة وهي متأخرة فلما كانت أيام الموت متقدمة على أيام الحياة لا جرم قدم الله ذكر الموت على ذكر الحياة ورابعها إنما قدم الموت على الحياة لأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض له أهم .

المسألة الثالثة: اعلم أن الحياة هي الأصل في النعم ولولاها لم يتنعم أحد في الدنيا وهي الأصل أيضًا في نعم الآخرة ولولاها لم يثبت الثواب الدائم ، والموت أيضًا نعمة على ما شرحنا الحال فيه في مواضع من هذا الكتاب ، وكيف لا وهو الفاصل بين حال التكليف وحال المجازاة وهو نعمة من هذا الوجه ، قال E:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت