ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الأخفش: لأن رآه فحذف اللام ، كما يقال: أنكم لتطغون أن رأيتم غناكم .
المسألة الثانية: قال الفراء إنما قال: { أَن رَّءاهُ } ولم يقل: رأى نفسه كما يقال: قتل نفسه لأن رأى من الأفعال التي تستدعي اسمًا وخبرًا نحو الظن والحسبان ، والعرب تطرح النفس من هذا الجنس فنقول: رأيتني وظننتني وحسبتني فقوله: { أَن رَّءاهُ استغنى } من هذا الباب .
المسألة الثالثة: في قوله: { استغنى } وجهان: أحدهما: استغنى بماله عن ربه ، والمراد من الآية ليس هو الأول ، لأن الإنسان قد ينال الثروة فلا يزيد إلا تواضعًا كسليمان عليه السلام ، فإنه كان يجالس المساكين ويقول: «مسكين جالس مسكينًا» وعبد الرحمن بن عوف ما طغى مع كثرة أمواله ، بل العاقل يعلم أنه عند الغنى يكون أكثر حاجة إلى الله تعالى منه حال فقره ، لأنه في حال فقره لا يتمنى إلا سلامة نفسه ، وأما حال الغنى فإنه يتمنى سلامة نفسه وماله ومماليكه ، وفي الآية وجه ثالث: وهو أن سين { استغنى } سين الطالب والمعنى أن الإنسان رأى أن نفسه إنما نالت الغنى لأنها طلبته وبذلت الجهد في الطلب فنالت الثروة والغنى بسبب ذلك الجهد ، لا أنه نالها بإعطاء الله وتوفيقه ، وهذا جهل وحمق فكم من باذل وسعه في الحرص والطلب وهو يموت جوعًا ، ثم ترى أكثر الأغنياء في الآخرة يصيرون مدبرين خائفين ، يريهم الله أن ذلك الغنى ما كان بفعلهم وقوتهم .
المسألة الرابعة: أول السورة يدل على مدح العلم وآخرها على مذمة المال ، وكفى بذلك مرغبًا في الدين والعلم ومنفرًا عن الدنيا والمال .