فهرس الكتاب

الصفحة 3642 من 8321

واعلم أنه تعالى لما حكى عن القوم الذين تقدم ذكرهم أنهم تابوا عن ذنوبهم وأنهم تصدقوا وهناك لم يذكر إلا قوله: { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وما كان ذلك صريحًا في قبول التوبة ذكر في هذه الآية أنه يقبل التوبة وأنه يأخذ الصدقات ، والمقصود ترغيب من لم يتب في التوبة ، وترغيب كل العصاة في الطاعة . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو مسلم قوله: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ } وإن كان بصيغة الاستفهام ، إلا أن المقصود منه التقرير في النفس ، ومن عادة العرب في إيهام المخاطب وإزالة الشك عنه أن يقولوا: أما علمت أن من علمك يجب عليك خدمته . أما علمت أن من أحسن إليك يجب عليك شكره ، فبشر الله تعالى هؤلاء التائبين بقبول توبتهم وصدقاتهم .

ثم زاده تأكيدًا بقوله: { وَهُوَ التواب الرحيم } .

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قرىء { أَلَمْ يَعْلَمُواْ } بالياء والتاء ، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد من هذه الآية هؤلاء الذين تابوا يعني { أَلَمْ يَعْلَمُواْ } قبل أن يتاب عليهم وتقبل صدقاتهم ، أن الله يقبل التوبة الصحيحة ، ويقبل الصدقات الصادرة عن خلوص النية ، والثاني: أن يكون المراد من هذه الآية غير التائبين ترغيبًا لهم في التوبة . روي أن رسول الله A لما حكم بصحة توبتهم قال:"الذين لم يتوبوا هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم"فنزلت هذه الآية .

المسألة الثالثة: قوله: { هُوَ يَقْبَلُ التوبة } في فوائد:

الفائدة الأولى: أنه تعالى سمى نفسه ههنا باسم الله . ثم قال عقيبه: { هُوَ يَقْبَلُ التوبة } وفيه تنبيه على أن كونه إلهًا يوجب قبول التوبة ، وذلك لأن الإله هو الذي يمتنع تطرق الزيادة والنقصان إليه ، ويمتنع أن يزداد حاله بطاعة المطيعين وأن ينتقص حاله بمعصية المذنبين ، ويمتنع أيضًا أن يكون له شهوة إلى الطاعة ، ونفرة عن المعصية ، حتى يقال: إن نفرته وغضبه يحمله على الانتقام ، بل المقصود من النهي عن المعصية والترغيب في الطاعة ، هو أن كل ما دعا القلب إلى عالم الآخرة ومنازل السعداء ، ونهاه عن الاشتغال بالجسمانيات الباطلة ، فهو العبادة والعمل الحق والطريق الصالح ، وكل ما كان بالضد منه فهو المعصية والعمل الباطل ، فالمذنب لا يضر إلا نفسه ، والمطيع لا ينفع إلا نفسه . كما قال تعالى: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء: 7 ] فإن كان الإله رحيمًا حكيمًا كريمًا ولم يكن غضبه على المذنب لأجل أنه تضرر بمعصيته ، فإذا انتقل العبد من المعصية إلى الطاعة كان كرمه كالموجب عليه قبول توبته . فثبت أن الإلهية لما كانت عبارة عن الاستغناء المطلق ، وكان الاستغناء المطلق ممتنع الحصول لغيره ، كان قبول التوبة من الغير كالممتنع إلا لسبب آخر منفصل ، أو لمعارض أو لمباين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت