لما ذكر الله تعالى حال المؤمنين والمجرمين كان لقائل أن يقول: إن الإنسان كان ظلومًا جهولًا ، والجهل من الأعذار ، فقال الله ذلك عند عدم الإنذار ، وقد سبق إيضاح السبل بإيضاح الرسل ، وعهدنا إليكم وتلونا عليكم ما ينبغي أن تفعلوه وما لا ينبغي ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في اللغات التي في { أَعْهَدْ } وهي كثيرة الأولى: كسر همزة إعهد وحروف الاستقبال كلها تكسر إلا الياء فلا يقال يعلم ويعلم الثانية: كسر الهاء من باب ضرب يضرب الثالثة: قلب العين جيما ألم أجهد وذلك في كل عين بعدها هاء الرابعة: إدغام الهاء في الحاء بعد القلب فيقال ألم أحد ، وقد سمع قوم يقولون دحا محا ، أي دعها معها .
المسألة الثانية: في معنى أعهد وجوه أقربها وأقربها ألم أوص إليكم .
المسألة الثالثة: في هذا العهد وجوه الأول: أنه هو العهد الذي كان مع أبينا آدم بقوله: { وَعَهِدْنَا إلى ءَادَمَ } [ طه: 115 ] الثاني: أنه هو الذي كان مع ذرية آدم بقوله تعالى: { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى } [ الأعراف: 172 ] فإن ذلك يقتضي أن لا نعبد غير الله الثالث: هو الأقوى ، أن ذلك كان مع كل قوم على لسان رسول ، ولذلك اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر ، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته .
المسألة الرابعة: قوله: { لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } معناه لا تطيعوه ، بدليل أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب ، بل الانقياد لأمره والطاعة له فالطاعة عبادة ، لا يقال فنكون نحن مأمورين بعبادة الأمراء حيث أمرنا بطاعتهم في قوله تعالى: { أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ } [ النساء: 59 ] لأنا نقول طاعتهم إذا كانت بأمر الله ، لا تكون إلا عبادة لله وطاعة له ، وكيف لا ونفس السجود والركوع للغير إذا كان بأمر الله لا يكون إلا عبادة لله ، ألا ترى أن الملائكة سجدوا لآدم ولم يكن ذلك إلا عبادة لله ، وإنما عبادة الأمراء هو طاعتهم فيما لم يأذن الله فيه ، فإن قيل بماذا تعلم طاعة الشيطان من طاعة الرحمن ، مع أنا لا نسمع من الشيطان خبرًا ولا نرى منه أثرًا؟ نقول عبادة الشيطان في مخالفة أمر الله أو الإتيان بما أمر الله لا لأنه أمر به ، ففي بعض الأوقات يكون الشيطان يأمرك وهو في غيرك ، وفي بعض الأوقات يأمرك وهو فيك ، فإذا جاءك شخص يأمرك بشيء ، فانظر إن كان ذلك موافقًا لأمر الله أو ليس موافقًا ، فإن لم يكن موافقًا فذلك الشخص معه الشيطان يأمرك بما يأمرك به ، فإن أطعته فقد عبدت الشيطان ، وإن دعتك نفسك ألى فعل فانظر أهو مأذون فيه من جهة الشرع أو ليس كذلك ، فإن لم يكن مأذونًا فيه فنفسك هي الشيطان ، أو معها الشيطان يدعوك ، فإن اتبعته فقد عبدته ، ثم إن الشيطان يأمر أولًا بمخالفة الله ظاهرًا ، فمن أطاعه فقد عبده ومن لم يطعه فلا يرجع عنه ، بل يقول له أعبد الله كي لا تهان ، وليرتفع عند الناس شأنك ، وينتفع بك إخوانك وأعوانك ، فإن أجاب إليه فقد عبده لكن عبادة الشيطان على تفاوت ، وذلك لأن الأعمال منها ما يقع والعامل موافق فيه جنانه ولسانه وأركانه ، ومنها ما يقع والجنان واللسان مخالف للجوارح أو للأركان ، فمن الناس من يرتكب جريمة كارهًا بقلبه لما يقترف من ذبنه ، مستغفرًا لربه ، يعترف بسوء ما يقترف فهو عبادة الشيطان بالأعضاء الظاهرة ، ومنهم من يرتكبها وقلبه طيب ولسانه رطب ، كما أنك تجد كثيرًا من الناس يفرح بكون مترددًا إلى أبواب الظلمة للسعاية ، ويعد من المحاسن كونه ساريًا مع الملوك ويفتخر به بلسانه ، وتجدهم يفرحون بكونهم آمرين الملك بالظلم والملك ينقاد لهم ، أو يفرحون بكونه يأمرهم بالظلم فيظلمون ، فرحين بما ورد عليهم من الأمر ، إذا عرفت هذا فالطاعة التي بالأعضاء الظاهرة ، والبواطن طاهرة مكفرة بالأسقام والآلام ، كما ورد في الأخبار ، ومن ذلك قوله A