فهرس الكتاب

الصفحة 3192 من 8321

اعلم أنه تعالى بين عظم ضلالتهم بتكذيب شعيب ثم بين أنهم لم يقتصروا على ذلك ، حتى أضلوا غيرهم ، ولاموهم على متابعته فقالوا: { لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لخاسرون } واختلفوا فقال بعضهم: خاسرون في الدين وقال آخرون: خاسرون في الدنيا ، لأنه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس ، وعند هذا المقال كمل حالهم في الضلال أولًا وفي الإضلال ثانيًا ، فاستحقوا الإهلاك فلهذا قال تعالى: { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } وهي الزلزلة الشديدة المهلكة ، فإذا انضاف إليها الجزاء الشديد المخوف على ما ذكره الله تعالى من قصة الظلمة ، كان الهلاك أعظم ، لأنه أحاط بهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } أي في مساكنهم { جاثمين } أي خامدين ساكنين بلا حياة وقد سبق الاستقصاء في تفسير هذه الألفاظ .

ثم قال تعالى: { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } وفيه بحثان:

البحث الأول: في قوله: { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } قولان: أحدهما: يقال غني القوم في دارهم إذا طال مقامهم فيها . والثاني: المنازل التي كان بها أهلوها واحدها مغني . قال الشاعر:

ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة ... في ظل ملك ثابت الأوتاد

أراد أقاموا فيها ، وعلى هذا الوجه كان قوله: { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كأن لم يقيموا بها ولم ينزلوا فيها .

والقول الثاني: قال الزجاج: كأن لم يغنوا فيها ، كأن لم يعيشوا فيها مستغنين ، يقال غني الرجل يغنى إذا استغنى ، وهو من الغني الذي هو ضد الفقر .

وإذا عرفت هذا فنقول: على التفسيرين شبه الله حال هؤلاء المكذبين بحال من لم يكن قط في تلك الديار . قال الشاعر:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر

البحث الثاني: قوله: { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيهَا } الذين يدل على أن ذلك العذاب كان مختصًا بأولئك المكذبين ، وذلك يدل على أشياء: أحدها: أن ذلك العذاب إنما حدث بتخليق فاعل مختار ، وليس ذلك أثر الكواكب والطبيعة ، وإلا لحصل في أتباع شعيب ، كما حصل في حق الكفار . والثاني: يدل على أن ذلك الفاعل المختار ، عالم بجميع الجزئيات ، حتى يمكنه التمييز بين المطيع والعاصي . وثالثها: يدل على المعجز العظيم في حق شعيب ، لأن العذاب النازل من السماء لما وقع على قوم دون قوم مع كونهم مجتمعين في بلدة واحدة ، كان ذلك من أعظم المعجزات .

ثم قال تعالى: { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين } وإنما كرر قوله: { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } لتعظيم المذلة لهم وتفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم ، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم ، فيقول الرجل لغيره: أخوك الذي ظلمنا ، أخوك الذي أخذ أموالنا ، أخوك الذي هتك أعراضنا ، وأيضًا أن القوم لما قالوا: { لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لخاسرون } بين تعالى أن الذين لم يتبعوه وخالفوه هم الخاسرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت