فهرس الكتاب

الصفحة 7678 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: المفسرون ذكروا في لفظة { لا } في قوله: { لاَ أُقْسِمُ } ثلاثة أوجه: الأول: أنها صلة زائدة والمعنى أقسم بيوم القيامة ونظيره { لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } [ الحديد: 29 ] وقوله: { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد } [ الأعراف: 12 ] { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله } [ آل عمران: 159 ] وهذا القول عندي ضعيف من وجوه: أولها: أن تجويز هذا يفضي إلى الطعن في القرآن ، لأن على هذا التقدير يجوز جعل النفي إثباتًا والإثبات نفيًا وتجويزه يفضي إلى أن لا يبقى الاعتماد على إثباته ولا على نفيه وثانيها: أن هذا الحرف إنما يزاد في وسط الكلام لا في أوله ، فإن قيل: ( فال ) كلام عليه من وجهين: الأول: لا نسلم أنها إنما تزاد في وسط الكلام ، ألا ترى إلى أمرىء القيس كيف زادها في مستهل قصيدته وهي قوله:

لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعى القوم أني أفر

الثاني: هب أن هذا الحرف لا يزاد في أول الكلام إلا أن القرآن كله كالسورة الواحدة لاتصال بعضه ببعض ، والدليل عليه أنه قد يذكر الشيء في سورة ثم يجيء جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى: { وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [ الحجر: 6 ] ثم جاء جوابه في سورة أخرى وهو قوله: { مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } [ القلم: 2 ] وإذا كان كذلك ، كان أول هذه السورة جاريًا مجرى وسط الكلام والجواب عن الأول: أن قوله لا وأبيك قسم عن النفي ، وقوله: { لاَ أُقْسِمُ } نفي للقسم ، فتشبيه أحدهما بالآخر غير جائز ، وإنما قلنا: إن قوله لا أقسم نفي للقسم ، لأنه على وزان قولنا لا أقتل لا أضرب ، لا أنصر ، ومعلوم أن ذلك يفيد النفي . والدليل عليه أنه لو حلف لا يقسم كان البر بترك القسم ، والحنث بفعل القسم ، فظهر أن البيت المذكور ، ليس من هذا الباب وعن الثاني: أن القرآن كالسورة الواحدة في عدم التناقض ، فإما في أن يقرن بكل آية ما قرن بالآية الأخرى فذلك غير جائز ، لأنه يلزم جواز أن يقرن بكل إثبات حرف النفي في سائر الآيات ، وذلك يقتضي انقلاب كل إثبات نفيًا وانقلاب كل نفي إثباتًا ، وإنه لا يجوز وثالثها: أن المراد من قولنا: لا صلة أنه لغو باطل ، يجب طرحه وإسقاطه حتى ينتظم الكلام ، ومعلوم أن وصف كلام الله تعالى بذلك لا يجوز القول الثاني: للمفسرين في هذه الآية ، ما نقل عن الحسن أنه قرأ ، لأقسم على أن اللام للابتداء ، وأقسم خبر مبتدأ محذوف ، معناه لأنا أقسم ويعضده أنه في مصحف عثمان بغير ألف واتفقوا في قوله ، ولا أقسم بالنفس اللوامة على لا أقسم ، قال الحسن معنى الآية أني أقسم بيوم القيامة لشرفها ، ولا أقسم بالنفس اللوامة لخساستها ، وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة وقال لو كان المراد هذا لقال: لأقسمن لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا ، وإنما يقولون: لأفعلن كذا ، إلاأن الواحدي حكى جواز ذلك عن سيبويه والفراء ، واعلم أن هذا الوجه أيضًا ضعيف ، لأن هذه القراءة شاذة ، فهب أن هذا الشاذ استمر ، فما الوجه في القراءة المشهورة المتواترة؟ ولا يمكن دفعها وإلا لكان ذلك قدحًا فيما ثبت بالتواتر ، وأيضًا فلا بد من إضمار قسم آخر لتكون هذه اللام جوابًا عنه ، فيصير التقدير: والله لأقسم بيوم القيامة ، فيكون ذلك قسمًا على قسم ، وإنه ركيك ولأنه يفضي إلى التسلسل القول الثالث: أن لفظة لا وردت للنفي ، ثم ههنا احتمالان الأول: أنها وردت نفيًا لكلام ذكر قبل القسم ، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا ليس الأمر على ما ذكرتم ، ثم قيل أقسم بيوم القيامة ، وهذا أيضًا فيه إشكال ، لأن إعادة حرف النفي مرة أخرى في قوه: { وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة } مع أن المراد ما ذكروه تقدح في فصاحة الكلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت