اعلم أن قوله: { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الانفال } يقتضي البحث عن خمسة أشياء ، السائل والمسؤول وحقيقة النفل ، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان ، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال .
أما البحث الأول: فهو أن السائلين من كانوا؟ فنقول إن قوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا ، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلومًا معينًا فانصرف هذا اللفظ إليهم ، ولا شك أنهم كانوا أقوامًا لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة .
وأما البحث الثاني: وهو أن المسؤول من كان؟ فلا شك أنه هو النبي A .
وأما البحث الثالث: وهو أن الأنفال ما هي فنقول: قال الزهري: النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل ، وسميت الغنائم أنفالًا ، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم ، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل . وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } [ الأنبياء: 72 ] أي زيادة على ما سأل .
وأما البحث الرابع: وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان؟ فنقول: فيه وجهان: الأول: لفظ السؤال ، وإن كان مبهمًا إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعًا عن ذلك المعين ، ونظيره قوله تعالى: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } [ البقرة: 222 ] { فِى الدنيا والاخرة } [ البقرة: 220 ] فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى ، وذلك الحكم غير معين ، إلا أن الجواب كان معينًا لأنه تعالى قال في المحيض: { قُلْ هُوَ أَذًى فاعتزلوا النساء فِي المحيض } [ البقرة: 222 ] فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالًا عن مخالطة النساء في المحيض . وقال في اليتامى: { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } [ البقرة: 220 ] فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعًا عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة . وأيضًا قال تعالى: { وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح } [ الإسراء: 85 ] وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب: { قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثًا أو قديمًا ، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال: { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها .
والقول الثاني: أن قوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الانفال } أي من الأنفال ، والمراد من هذا السؤال: الاستعطاء على ما روي في الخبر ، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا ، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة . وقرأ عبد الله { يَسْأَلُونَكَ الانفال } .