في موضع الحال كأنه قال: مالكم لا تؤمنون بالله ، والحال هذه وهي حال موجبة للإيمان به { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } أي تارات خلقكم أولًا ترابًا ، ثم خلقكم نطفًا ، ثم خلقكم علقًا ، ثم خلقكم مضغًا ، ثم خلقكم عظامًا ولحمًا ، ثم أنشأكم خلقًا آخر ، وعندي فيه وجه ثالث: وهو أن القوم كانوا يبالغون في الاستخفاف بنوح عليه السلام فأمرهم الله تعالى بتوقيره وترك الاستخفاف به ، فكأنه قال لهم: إنكم إذا وقرتم نوحًا وتركتم الاستخفاف به كان ذلك لأجل الله ، فما لكم لا ترجون وقارًا وتأتون به لأجل الله ولأجل أمره وطاعته ، فإن كل ما يأتي به الإنسان لأجل الله ، فإنه لا بد وأن يرجوا منه خيرًا ووجه رابع: وهو أن الوقار وهو الثبات من وقر إذا ثبت واستقر ، فكأنه قال: { مَالَكُمْ } وعند هذا تم الكلام ، ثم قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار { لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [ الجن: 13 ] أي لا ترجون لله ثباتًا وبقاء ، فإنكم لو رجوتم ثباته وبقاءه لخفتموه ، ولما أقدمتم على الاستخفاف برسله وأوامره ، والمراد من قوله: { تَرْجُونَ } أي تعتقدون لأن الراجي للشيء معتقد له .
واعلم أنه لما أمر في هذه الآية بتعظيم الله استدل على التوحيد بوجوه من الدلائل:
الأول: قوله: { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } وفيه وجهان: الأول: قال الليث: الطورة التارة يعني حالًا بعد حال كما ذكرنا أنه كان نطفة ، ثم علقة إلى آخر التارات الثاني: قال ابن الأنباري: الطور الحال ، والمعنى خلقكم أصنافًا مختلفين لا يشبه بعضكم بعضًا ، ولما ذكر هذا الدليل من الأنفس على التوحيد ، أتبعه بذكر دليل التوحيد من الآفاق على العادة المعهودة في كل القرآن . .
الدليل الثاني: على التوحيد قوله تعالى: