في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } [ الأعراف: 204 ] اعلم أن قارئًا يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن ، ومعلوم أن ذلك القارىء ليس إلا الرسول عليه السلام ، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمدًا A بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع ، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة ، ثم إنه تعالى أردف ذلك الأمر ، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه ، والفائدة فيه: أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة ، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الاخلاص والتضرع .
المسألة الثانية: أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيدًا بقيود .
القيد الأول: { واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفًا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرًا لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة ، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عاريًا عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة . ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال: بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئًا ، فإنه لا ينعقد البيع والشراء ، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام:
الحكم الأول
سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحدًا من المريدين بالخلوة والذكر ، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يومًا ، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة ، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين ، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء ، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه ، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه ، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب .
الحكم الثاني
قال المتكلمون: هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك .
فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة؟
قلنا: هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله . والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال . والثاني باطل لأن ما لا يكون متصورًا ، كان الذهن غافلًا عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالبًا له فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات ، فامتنع ورود الأمر به ، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني ، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايرًا للمعرفة والعلم والتصور ، وذلك هو المطلوب .