فهرس الكتاب

الصفحة 5615 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين أن الدار الآخرة ليست لمن يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا ، بل هي للمتقين بين بعد ذلك ما يحصل لهم فقال: { مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } وفيه وجوه أحدهما: المعنى من جاء بالحسنة حصل له من تلك الكلمة خير وثانيها: حصل له شيء هو أفضل من تلك الحسنة ، ومعناه أنهم يزادون على ثوابهم وقد مر تفسيره في آخر النمل ، وأما قوله: { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فظاهره أن لا يزادوا على ما يستحقون . وإذا صح ذلك في السيئات دل أن المراد في الحسنات بما هو خير منها ما ذكرناه من مزيد الفضل على الثواب ، قال صاحب «الكشاف» تقدير الآية: ومن جاء بالسيئة فلا يجزون إلا ما كانوا يعملون ، لكنه كرر ذلك لأن في إسناد عمل السيئة إليهم مكررًا فضل تهجين لحالهم وزيادة تبغيض للسيئة إلى قلوب السامعين ، وهذا من فضله العظيم أنه لا يجزي بالسيئة إلا مثلها ، ويجزي بالحسنة عشر أمثالها ، وههنا سؤالان:

السؤال الأول: قال تعالى: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء: 7 ] كرر ذلك الإحسان واكتفى بذكر الإساءة بمرة واحدة ، وفي هذه الآية كرر ذكر الإساءة مرتين واكتفى في ذكر الإحسان بمرة واحدة ، فما السبب؟ الجواب: لأن هذا المقام مقام الترغيب في الدار الآخرة ، فكانت المبالغة في الزجر عن المعصية لائقة بهذا الباب ، لأن المبالغة في الزجر عن المعصية مبالغة في الدعوة إلى الآخرة . وأما الآية الآخرى فهي شرح حالهم فكانت المبالغة في ذكر محاسنهم أولى .

السؤال الثاني: كيف قال: لا تجزي السيئة إلا بمثلها؟ مع أن المتكلم بكلمة الكفر إذا مات في الحال عذب أبد الآباد والجواب: لأنه كان على عزم أنه لو عاش أبدًا لقال ذلك فعومل بمقتضى عزمه . قال الجبائي: وهذا يدل على بطلان مذهب من يجوز على الله تعالى أن يعذب الأطفال عذابًا دائمًا بغير جرم ، قلنا لا يجوز أن يفعله وليس في الآية ما يدل عليه ، ثم إنه سبحانه لما شرح لرسوله أمر القيامة واستقصى في ذلك ، شرح له ما يتصل بأحواله فقال: { إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ } قال أبو علي: الذي فرض عليك أحكامه وفرائضه لرادك بعد الموت إلى معاد ، وتنكير المعاد لتعظيمه ، كأنه قال إلى معاد وأي معاد ، أي ليس لغيرك من البشر مثله . وقيل المراد به مكة ، ووجهه أن يراد برده إليها يوم الفتح ، ووجه تنكيره أنها كانت في ذلك اليوم معادًا له شأن عظيم لاستيلاء رسول الله A عليها وقهره لأهلها وإظهار عز الإسلام وإذلال حزب الكفر والسورة مكية ، فكأن الله تعالى وعده وهو بمكة في أذى وغلبة من أهلها أنه يهاجر منها ويعيده إليها ظاهرًا ظافرًا . وقال مقاتل: إنه عليه السلام خرج من الغار وسار في غير الطريق مخافة الطلب ، فلما أمن رجع إلى الطريق ونزل بالجحفة بين مكة والمدينة ، وعرف الطريق إلى مكة واشتاق إليها وذكر مولده ومولد أبيه ، فنزل جبريل عليه السلام وقال: تشتاق إلى بلدك ومولدك ، فقال عليه السلام: نعم ، فقال جبريل عليه السلام: فإن الله تعالى يقول: { إِنَّ الذى فَرَضَ عَلَيْكَ القرءان لَرَادُّكَ إلى مَعَادٍ } يعني إلى مكة ظاهرًا عليهم وهذا أقرب ، لأن ظاهر المعاد أنه كان فيه وفارقه وحصل العود ، وذلك لا يليق إلا بمكة ، وإن كان سائر الوجوه محتملًا لكن ذلك أقرب ، قال أهل التحقيق: وهذا أحد ما يدل على نبوته ، لأنه أخبر عن الغيب ووقع كما أخبر فيكون معجزًا ، ثم قال { قُل رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } ووجه تعلقه بما قبله أن الله تعالى وعد رسوله الرد إلى معاد ، قال: { قُلْ } للمشركين { رَّبّى أَعْلَمُ مَن جَاء بالهدى } يعني نفسه وما يستحقه من الثواب في المعاد والإعزاز بالإعادة إلى مكة { وَمَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يعنيهم وما يستحقون من العقاب في معادهم ، ثم قال لرسوله { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } ففي كلمة إلا وجهان أحدهما: أنها للاستثناء ، ثم قال صاحب «الكشاف» : هذا كلام محمول على المعنى كأنه قيل: ( وما ألقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ) ويمكن أيضًا إجراؤه على ظاهره ، أي وما كنت ترجو إلا أن يرحمك الله برحمته فينعم عليك بذلك ، أي ما كنت ترجو إلا على هذا والوجه الثاني: أن إلا بمعنى لكن للاستدراك ، أي ولكن رحمة من ربك ألقى إليك ونظيره قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت