فهرس الكتاب

الصفحة 2619 من 8321

أعلم أن المقصود بيان عتو بني إسرائيل وشدة تمردهم عن الوفاء بعهد الله ، وهو متعلق بما افتتح الله به السورة ، وهو قوله { أَوْفُواْ بالعقود } [ المائدة: 1 ] فقال { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إسراءيل } يعني خلقنا الدلائل وخلقنا العقل الهادي إلى كيفية الاستدلال ، وأرسلنا إليهم رسلًا بتعريف الشرائع والأحكام . وقوله { كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ } جملة شرطية وقعت صفة لقوله { رُسُلًا } والراجع محذوف ، والتقدير: كلما جاءهم رسول منهم بما لا تهوى أنفسهم ، أي بما يخالف أهواءهم وما يضاد شهواتهم من مشاق التكليف .

وههنا سؤالات:

الأول: أي جواب الشرط؟ فإن قوله { فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } لا يصلح أن يكون جوابًا لهذا الشرط ، لأن الرسول الواحد لا يكون فريقين .

والجواب: أن جواب الشرط محذوف ، وإنما جاز حدفه لأن الكلام المذكور دليل عليه ، والتقدير: كلما جاءهم رسول ناصبوه ، ثم إنه قيل: فكيف ناصبوه؟ فقيل: فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون . وقوله: الرسول الواحد لا يكون فريقين . فنقول: إن قوله { كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ } يدل على كثرة الرسل ، فلا جرم جعلهم فريقين .

السؤال الثاني: لم ذكر أحد الفعلين ماضيًا ، والآخر مضارعًا؟

والجواب: أنه تعالى بيّن أنهم كيف كانوا يكذبون عيسى وموسى في كل مقام ، وكيف كانوا يتمردون على أوامره وتكاليفه ، وأنه عليه السلام إنما توفى في التيه على قول بعضهم لشؤم تمردهم عن قبول قوله في مقاتلة الجبارين .

وأما القتل فهو ما اتفق لهم في حق زكريا ويحيى عليهما السلام ، وكانوا قد قصدوا أيضًا قتل عيسى وإن كان الله منعهم عن مرادهم وهم يزعمون أنهم قتلوه ، فذكر التكذيب بلفظ الماضي هنا إشارة إلى معاملتهم مع موسى عليه السلام ، لأنه قد انقضى من ذلك الزمان أدوار كثيرة ، وذكر القتل بلفظ المضارع إشارة إلى معاملتهم مع زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام لكون ذلك الزمان قريبًا فكان كالحاضر .

السؤال الثالث: ما الفائدة في تقديم المفعول في قوله تعالى: { فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } .

والجواب: قد عرفت أن التقديم إنما يكون لشدة العناية ، فالتكذيب والقتل وإن كانا منكرين إلا أن تكذيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وقتلهم أقبح ، فكان التقديم لهذه الفائدة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت