فهرس الكتاب

الصفحة 7090 من 8321

إشارة إلى ما هو أعظم من إرسال الشواظ على الإنس والجن ، فكأنه تعالى ذكر أولًا ما يخاف منه الإنسان ، ثم ذكر ما يخاف منه كل واحد ممن له إدراك من الجن والإنس والملك حيث تخلوا أماكنهم بالشق ومساكن الجن والإنس بالخراب ، ويحتمل أن يقال: إنه تعالى لما قال: { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن: 26 ] إشارة إلى سكان الأرض ، قال بعد ذلك: { فَإِذَا انشقت السماء } بيانًا لحال سكان السماء ، وفيه مسائل .

المسألة الأولى: الفاء في الأصل للتعقيب على وجوه ثلاثة منها: التعقيب الزماني للشيئين اللذين لا يتعلق أحدهما بالآخر عقلًا كقوله قعد زيد فقام عمرو ، لمن سألك عن قعود زيد وقيام عمر ، وإنهما كانا معًا أو متعاقبين ومنها: التعقيب الذهني للذين يتعلق أحدهما بالآخر كقولك: جاء زيد فقام عمرو إكرامًا له إذ يكون في مثل هذا قيام عمرو مع مجيء زيد زمانًا ومنها: التعقيب في القول كقولك: لا أخاف الأمير فالملك فالسلطان ، كأنك تقول: أقول لا أخاف الأمير ، وأقول لا أخاف الملك ، وأقول لا أخاف السلطان ، إذا عرفت هذا فالفاء هنا تحتمل الأوجه جميعًا ، أما الأول: فلأن إرسال الشواظ عليهم يكون قبل انشقاق السموات ، ويكون ذلك الإرسال إشارة إلى عذاب القبر ، وإلى ما يكون عند سوق المجرمين إلى المحشر ، إذ ورد في التفسير أن الشواظ يسوقهم إلى المحشر ، فيهربون منها إلى أن يجتمعوا في موضع واحد ، وعلى هذا معناه يرسل عليكما شواظ ، فإذا انشقت السماء يكون العذاب الأليم ، والحساب الشديد على ما سنبين إن شاء الله وأما الثاني: فوجهه أن يقال: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فيكون ذلك سببًا لكون السماء تكون حمراء ، إشارة إلى أن لهيبها يصل إلى السماء ويجعلها كالحديد المذاب الأحمر ، وأما الثالث: فوجهه أن يقال: لما قال: { فَلاَ تَنتَصِرَانِ } [ الرحمن: 35 ] أي في وقت إرسال الشواظ عليكما قال: فإذا انشقت السماء وصارت كالمهل ، وهو كالطين الذائب ، كيف تنتصران؟ إشارة إلى أن الشواظ المرسل لهب واحد ، أو فإذا انشقت السماء وذابت ، وصارت الأرض والجو والسماء كلها نارًا فكيف تنتصران؟ .

المسألة الثانية: كلمة ( إذا ) قد تستعمل لمجرد الظرف وقد تستعمل للشرط وقد تستعمل للمفاجأة وإن كانت في أوجهها ظرفًا لكن بينها فرق فالأول: مثل قوله تعالى: { واليل إِذَا يغشى * والنهار إِذَا تجلى } [ الليل: 1 ، 2 ] والثاني: مثل قوله: إذا أكرمتني أكرمك ومن هذا الباب قوله تعالى: { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } [ آل عمران: 159 ] وفي الأول لا بد وأن يكون الفعل في الوقت المذكور متصلًا به وفي الثاني لا يلزم ذلك ، فإنك إذا قلت: إذا علمتني تثاب يكون الثواب بعده زمانًا لكن استحقاقه يثبت في ذلك الوقت متصلًا به والثالث: مثال ما يقول: خرجت فإذا قد أقبل الركب أما لو قال: خرجت إذا أقبل الركب فهو في جواب من يقول متى خرجت إذا عرفت هذا فنقول: على أي وجه استعمل ( إذا ) ههنا؟ نقول: يحتمل وجهين أحدهما: الظرفية المجردة على أن الفاء للتعقيب الزماني ، فإن قوله: { فَإِذَا انشقت السماء } بيان لوقت العذاب ، كأنه قال: إذا انشقت السماء يكون العذاب أي بعد إرسال الشواظ ، وعند انشقاق السماء يكون وثانيهما: الشرطية وذلك على الوجه الثالث وهو قولنا: { فَلاَ تَنتَصِرَانِ } عند إرسال الشواظ فكيف تنتصران إذا انشقت السماء ، كأنه قال: إذا انشقت السماء فلا تتوقعوا الانتصار أصلًا ، وأما الحمل على المفاجأة على أن يقال: يرسل عليكما شواظ فإذا السماء قد انشقت ، فبعيد ولا يحمل ذلك إلا على الوجه الثاني من أن الفاء للتعقيب الذهني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت